بينما تتصارع أوروبا مع التعقيدات الاقتصادية للسياسات النقدية، يبدو أن القطاع المصرفي في وضع فريد للاستفادة بغض النظر عن الاتجاه الذي ستتخذه أسعار الفائدة.
على الرغم من الافتراض الشائع بأن البنوك تزدهر فقط من خلال ارتفاع أسعار الفائدة، فقد كشفت التطورات الأخيرة أن كبار المقرضين في أوروبا، بما في ذلك بنك بي إن بي باريبا ودويتشه بنك وباركليز، ليسوا مستعدين فحسب، بل متفائلين أيضًا بشأن التخفيضات المحتملة المقرر إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام.
تحليل توقعات خفض سعر الفائدة
أبدى جان لوران بونافيه، الرئيس التنفيذي لبنك بي إن بي باريبا، تفاؤلاً خلال إعلان أرباح الربع الأول للبنك، مشيراً إلى نمو في إيراداته بنسبة 2% على الأقل في عام 2024، وذلك بفضل التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة.

وقد انعكس هذا الشعور على نطاق أوسع، حيث البنك المركزي الأوروبي بخفض أسعار الفائدة الرئيسية مرتين أو ثلاث مرات في العام المقبل، مما قد يؤدي إلى انخفاض سعر الفائدة على الودائع إلى ما بين 3.25% و3.5% من النسبة الحالية البالغة 4%.
تستخلص الأسواق المالية والمحللون هذه التوقعات من حسابات مجموعة بورصة لندن، التي تستخدم أسعار مشتقات أسعار الفائدة للتنبؤ بالتحولات الاقتصادية.
المنطق هنا بسيط ولكنه عميق. فبينما ساهمت أسعار الفائدة المرتفعة تاريخياً في تعزيز دخل البنوك، فإن انخفاضها المتوقع يُعدّ مفيداً أيضاً. ويعود ذلك في الغالب إلى أن البنوك الكبرى مثل بنك بي إن بي باريبا قد راكمت محافظ كبيرة من الأصول ذات الفائدة الثابتة، كالقروض العقارية، والتي لا تتغير أسعارها إلا تدريجياً مع مرور الوقت.
الإدارة المالية الاستراتيجية في ظل تغير أسعار الفائدة
تُصبح هذه الديناميكية مثيرة للاهتمام بشكل خاص عند النظر في ديناميكيات تكلفة التزامات البنوك. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن يشهد بنك بي إن بي باريبا، الذي يمتلك حصة كبيرة من ودائع الشركات ومنتجات الادخار للأفراد، انخفاضًا سريعًا في نفقات الفائدة مع انخفاض أسعار الفائدة.
في الوقت نفسه، تستمر عوائد القروض القديمة المستحقة، التي تمtracعليها بأسعار فائدة منخفضة، في تعزيز بياناتها المالية. وبالمثل، تستخدم باركليز استراتيجيات تحوط واسعة النطاق للتخفيف من آثار تقلبات أسعار الفائدة، مما يضمن لها إيرادات إجمالية تقارب 4 مليارات جنيه إسترليني لعام 2024.
علاوة على ذلك، فإن البنوك الثلاثة، على الرغم من مرونتها في التكيف مع السياسات النقدية المتغيرة، لا تزال تتداول بخصم كبير عن قيمها الدفترية، مما يشير إلى أن المستثمرين قد لا يزالون يحملون تحفظات بشأن ربحية القطاع على المدى الطويل.
أما فيما يتعلق بالأرباح، فقد أعلن بنك دويتشه عن انخفاض بنسبة 9٪ في صافي دخل الفوائد في الربع الأول من عام 2024 مقارنة بالعام السابق، بينما حافظ بنك باركليز على صافي دخل فوائد ثابت على أساس سنوي.
ردود فعل السوق وتداعياتها على السياسات
تتأثر التداعيات الأوسع نطاقاً لخفض أسعار الفائدة المحتمل من قبل البنك المركزي الأوروبي بالأوضاع الاقتصادية العالمية، ولا سيما سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وقد أكد فابيو بانيتا، رئيس البنك المركزي الإيطالي، على هذه النقطة، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية لفترة طويلة قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى خفض أسعار الفائدة لمواجهة تشديد الأوضاع المالية العالمية.
بانيتا من البنك المركزي الأوروبي: إن التخفيضات الصغيرة وفي الوقت المناسب في أسعار الفائدة من شأنها أن تواجه ضعف الطلب ويمكن إيقافها دون أي تكلفة.
— فاينانشال جوس (@financialjuice) 25 أبريل 2024
إلا أن هذا الأمر يطرح أمام أوروبا مهمة صعبة تتمثل في تحقيق توازن دقيق، حيث تسعى جاهدة لعدم الابتعاد بشكل مفرط عن سياسة الاحتياطي الفيدرالي لتجنب الآثار السلبية غير المباشرة.
يعكس توجه المستثمرين هذه التعقيدات، حيث انخفضت التوقعات بخفض أسعار الفائدة بعد تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بشأن استمرار ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة. ويؤثر هذا التوقع على عوائد السندات الأوروبية، وبالتالي على استراتيجية البنك المركزي الأوروبي، التي تهدف إلى بدء خفض أسعار الفائدة في يونيو إذا استمر التضخم في التوافق مع أهدافه.
علاوة على ذلك، تشير بيانات الإقراض الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي إلى استجابة ضعيفة من السوق، مع زيادات طفيفة في إقراض الشركات وانخفاض في إقراض الأسر، مسجلاً أدنى مستوى له في العقد. وتُعد هذه المؤشرات دلالات واضحة على التوازن الدقيق الذي يسعى إليه البنك المركزي الأوروبي في إدارة توقعات التضخم مع تعزيز النمو الاقتصادي.

