استعدوا يا جماعة، فالاقتصاد العالمي يبدو وكأنه أفعوانية فقدت مكابحها، ووكالة موديز لا تتردد في دق ناقوس الخطر. في تطور مفاجئ، ارتفعت حالات التخلف عن سداد ديون الشركات العالمية بشكل حاد، مما أثار حيرة الاقتصاديين ومحللي السوق. لماذا تشعر موديز بالقلق حيال هذا الأمر؟ دعونا نتعمق في الموضوع.
ارتفاع حالات التخلف عن السداد من قبل الشركات: جرس إنذار
لم يكن شهر ديسمبر موسمًا سعيدًا للاقتصاد العالمي، إذ أفادت وكالة موديز بارتفاع مقلق في حالات التخلف عن سداد الديون من قبل الشركات. وبلغ العدد 159 حالة خلال العام، مسجلًا مستويات قياسية لم نشهدها منذ الأزمة الاقتصادية التي سببتها جائحة كورونا. ولا يُعد هذا مجرد خلل بسيط، بل هو انتكاسة خطيرة في ظل الاستقرار الاقتصادي. ويستقر معدل التخلف عن السداد حاليًا عند نسبة مثيرة للقلق تبلغ 4.8%.
أكثر من مجرد رقم، تُعدّ هذه الزيادة الحادة في حالات التخلف عن السداد مؤشراً واضحاً على الضائقة التي تواجهها الشركات ذات التصنيف الائتماني المنخفض والمثقلة بالديون، والتي تُكافح الواقع المرير المتمثل في ارتفاع تكاليف التمويل. هل تذكرون عندما كنا نعتقد أن أسعار الفائدة القريبة من الصفر ستبقى كذلك؟ حسناً، لقد ارتفعت إلى أكثر من 5%، والشركات تشعر بضغوطها. ما هي القطاعات الأكثر تضرراً؟ خدمات الأعمال والرعاية الصحية، اللذان شهدا أعلى معدلات التخلف عن السداد العام الماضي. هذه القطاعات تُعاني بشدة مع الارتفاع الصاروخي في تكلفة القروض، التي تتحرك بالتوازي مع أسعار الفائدة.
الاقتصاد العالمي يبحر في مياه مجهولة
لا يقتصر الاقتصاد العالمي على الأرقام والنسب المئوية فحسب، بل هو كيان معقد يتأثر بسلوك المستهلك، وتوقعات السوق، وسياسات البنوك المركزية التي لا تزال غامضة. ولا تقتصر التوقعات القاتمة على وكالة موديز وحدها، بل تشاركها وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات العالمية هذا الرأي، حيث أشارت في تقريرها إلى ارتفاع مقلق في حالات التخلف عن السداد على مستوى العالم.
لكن مهلاً، هناك المزيد. فبينما enjالأسواق المالية انتعاشاً طفيفاً قرب نهاية العام الماضي، لم يدم هذا الانتعاش طويلاً. ولا يزال هامش سندات الشركات ذات المخاطر العالية في الولايات المتحدة، وهو مؤشر على العلاوة التي يدفعها المقترضون ذوو المخاطر العالية مقارنةً بديون الحكومة الأكثر أماناً، ضيقاً. ماذا يعني هذا؟ قد يكون المستثمرون متفائلين أكثر من اللازم، متجاهلين حالة عدم اليقين المستمرة.
وهنا تكمن المفاجأة – تتوقع وكالة موديز أن يكون خفض أسعار الفائدة بطيئًا مقارنةً بالرفع السريع الذي شهدناه. وهذا يعني أن أسعار الفائدة المرتفعة قد تُصبح عبئًا علينا لفترة أطول. ويتوقع السيناريو الأساسي للوكالة أن يبلغ معدل التخلف عن السداد العالمي ذروته عند 4.9% في أوائل عام 2024، ثم يبدأ بالانخفاض تدريجيًا وبشكل أكثر اعتدالًا.
لكن دعونا لا نبالغ في التفاؤل. ففي أسوأ السيناريوهات، قد يرتفع معدل التخلف عن السداد إلى نسبة مذهلة تصل إلى 11.5%. لذا، ورغم أننا قد نشهد بعض التحسن في مستويات المعيشة مع تباطؤ نمو الأجور الذي لا يزال يتجاوز نمو أسعار المستهلك، إلا أن الطريق أمامنا ليس سهلاً على الإطلاق.
تواجه البنوك المركزية وضعاً صعباً، إذ تسعى جاهدةً لتحقيق التوازن بين ضرورة كبح جماح التضخم وتجنب انزلاق الاقتصاد إلى دوامة هبوطية. البنك المركزي الأوروبي تحديات أكبر من نظيره في الولايات المتحدة. إذ يرتبط العديد من العمال الأوروبيين بعقود رواتب طويلة الأجل لا تتكيف بسهولة مع معدلات التضخم السابقة، مما يزيد من صعوبة مهمة البنك المركزي الأوروبي.
إن قلق وكالة موديز بشأن الاقتصاد العالمي ليس مجرد مبالغة. فارتفاع معدلات التخلف عن السداد، وتشديد الأوضاع المالية، وعدم استقرار وتيرة التغييرات السياسية، كلها عوامل ترسم صورة لبيئة اقتصادية محفوفة بالتحديات. ومع تطلعنا إلى المستقبل، يبدو الطريق نحو الاستقرار الاقتصادي أشبه بمتاهة، حيث يحمل كل منعطف فيها مجموعة من العقبات.

