صرح وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل لمجموعة فونكه الإعلامية هذا الأسبوع بأن الحكومة الائتلافية ستدفع باتجاه تطبيق إصلاحات جديدة بحلول نهاية عام 2025.
يأتي هذا التعهد في وقت تواجه فيه إدارة المستشار فريدريش ميرز ضغوطاً متزايدة لإصلاح اقتصاد يعاني من ركود واضح. وقال كلينغبايل إن الائتلاف لا يزال يمتلك المقومات اللازمة لإحداث تغيير حقيقي، واعداً باتخاذ "قرارات هامة" في الأشهر المقبلة بشأن مجالات رئيسية مثل الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية.
هذه الوعود في وقتٍ تتزامن فيه الأرقام الاقتصادية الجديدة مع ظهورها للجمهور. فقد انكمش الاقتصاد الألماني بنسبة 0.3% في الربع الثاني من عام 2025، وهو أسوأ بكثير من التقدير الأولي البالغ -0.1%، وأقل بكثير مما كانت تأمله الحكومة.
أفاد المكتب الإحصائي الفيدرالي بأن الانخفاض يعود في معظمه إلى ضعف قطاع التصنيع، الذي شهد ازدهاراً في وقت سابق من العام مع تسارع الشركات إلى طلب منتجاتها إلى الولايات المتحدة لتجنب الرسوم الجمركية التيdent دونالد ترامب. وقد تلاشى ذلك النمو المصطنع الآن، وبدأت تظهر ملامح الركود.
تراجع الناتج المحلي الإجمالي مع تأثير الرسوم الجمركية على الصادرات
تأثر النمو الاقتصادي الهش في ألمانيا سلباً بعوامل متعددة، منها انخفاض الإنفاق الأسري، وتراجع الاستثمار، وانكماش قطاع البناء. وقد عدّلت بيانات جديدة صادرة عن مكتب الإحصاء نسبة الاستهلاك الأسري إلى 0.1% فقط، عازيةً ذلك إلى ضعف أداء قطاعات الغذاء والفنادق والإقامة.
في غضون ذلك، ارتفع الإنفاق الحكومي ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.8%، لكنه لم يكن كافياً لوقف النزيف. كما انخفض صافي الصادرات، متأثراً بضعف الطلب العالمي وضغوط التعريفات الجمركية من الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.
قال كلينغبايل إن ألمانيا بحاجة إلى تطهير جهازها البيروقراطي لتحريك الأمور من جديد. وأضاف في حديثه مع فونكه: "يجب أن نحرر الحياة في هذا البلد من البيروقراطية حتى يصبح بدء مشروع تجاري أو إدارة جمعية أو بناء منزل أمراً ممتعاً مرة أخرى".
لكن هذه الرسالة تتناقض مع الواقع المرير الذي حذر منه البنك المركزي الألماني بالفعل، وهو أن البلاد قد لا تشهد أي نمو في الربع الثالث أيضاً. إذا حدث ذلك، فسيكون هذا ربعين متتاليين من النمو السلبي أو الصفري، وهو ما يُعدّ ركوداً اقتصادياً بامتياز.
أثارت شرارة قصيرة في بداية عام 2025 آمالاً كبيرة، ويعود ذلك في معظمه إلى قيام الشركات الألمانية بتسريع تجارتها مع الولايات المتحدة لتجنب ضرائب الاستيراد الجديدة التي فرضها ترامب. وقد ساهم هذا الإقبال في رفع الناتج المحلي الإجمالي في مطلع العام، لكنه خلّف فراغاً. والآن، لم يعد هناك أي هامش أمان.
أظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة يوم الخميس عن وكالة ستاندرد آند بورز العالمية بوادر انتعاش طفيفة، حيث سجلت نمواً في النشاط التجاري خلال شهر أغسطس للشهر الثالث على التوالي، وبأسرع وتيرة منذ مارس. إلا أن ستاندرد آند بورز نفسها حذرت من أن هذا التحسن محدود، ولا يكفي لتعويض ما يحدث في الاقتصاد الحقيقي.
تؤدي التعريفات الجمركية وحدود الديون والضغوط العالمية إلى تفاقم الضغوط
تسعى حكومة كلينغبايل وميرز إلى اتخاذ إجراءات. ففي وقت سابق من هذا العام، أقرت تعديلاً دستورياً لقاعدة الحد من الديون، يسمح للإنفاق الدفاعي الذي يتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي بالإفلات من قيود الاقتراض. كما وافقت على إنشاء صندوق خارج الميزانية بقيمة 500 مليار يورو للاستثمار في البنية التحتية.
مع ذلك، لم توقف هذه الإجراءات التراجع. فآثار تعريفات ترامب الجمركية البالغة 15% على معظم الأوروبية بدأت تظهر بالفعل. أما صناعة السيارات، فتعيش حالة من الترقب والانتظار لمعرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخفض تعريفات السيارات من 27.5% إلى 15%.
قال كارستن برزيسكي، الخبير الاقتصادي في بنك آي إن جي، إن الرسوم الجمركية والتغيرات الاقتصادية الجارية بدأت تظهر بالفعل في تقارير الشركات. وأضاف برزيسكي: "كانت نتائج الشركات الأخيرة بمثابة تذكير مؤلم بأن الرسوم الجمركية الأمريكية، فضلاً عن التحولات الهيكلية، كانت في أوجها خلال الربع الثاني، مما أثر سلباً على نتائج الشركات".
وأضاف: "هذا اتجاه لن يتغير كثيراً في الربع الثالث، مع فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية وعدم اليقين بشأن ما إذا كانت التعريفات الجمركية البالغة 27.5% على السيارات ستعود إلى 15% (ومتى)."
تُصدّر ألمانيا حوالي 10% من صادراتها إلى الولايات المتحدة. وهذا يُمثّل جزءاً كبيراً من المعادلة، وإذا استمرّ هذا التضييق، فستشعر الشركات بذلك ربعاً تلو الآخر.
tracكل هذا إلى عام 2022، عندما ساهم الغزو الروسي لأوكرانيا في تعطيل سلاسل التوريد العالمية وزعزعة أسواق الطاقة في جميع أنحاء أوروبا. وقد أثرت تلك الصدمة بشدة على ألمانيا، ولا تزال آثارها باقية. أضف إلى ذلك شيخوخة السكان، وضعف النمو العالمي، والبيروقراطية المفرطة، فتزداد الصورة قتامة.

