لن يحل اليوان الصيني محل الدولار الأمريكي. دعونا نوضح هذه النقطة منذ البداية.
إن محاولات روسيا والصين لدفع عملاتهما إلى الساحة العالمية مثيرة للإعجاب بالتأكيد، لكنهما تواجهان جداراً من التحديات.
لا يُضاهى الدولار في هيمنة التجارة الدولية والتمويل والاحتياطيات الأجنبية. ورغم تزايد النفوذ الاقتصادي للصين، لا يزال اليوان متخلفاً كثيراً عن الدولار من حيث الاستخدام العالمي والثقة والاستقرار. متخلفاً جداً.

المناورة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين
إن تركيز الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي العالمي واضحٌ جليّ. ومن يلومها على ذلك؟ فهي تعتقد أن أمريكا دولة متسلطة، بكل بساطة.
لقد استخدمت الدولة مرارًا وتكرارًا قوتها الاقتصادية ضد الدول التي لا تلتزم بمعاييرها الأنانية من خلال فرض عقوبات ورسوم جمركية سخيفة عليها.
أنفقت الصين الآن أكثر من تريليون دولار على البنية التحتية في أكثر من 140 دولة هذا العام، لتصبح بذلك أكبر قوة تجارية في العالم.
بحسب معهد لوي الأسترالي، فإن 128 دولة تتاجر حالياً مع الصين أكثر مما تتاجر مع الولايات المتحدة. لكن عندما يتعلق الأمر بالتحالفات العسكرية، فإن أمريكا تتفوق بشكل واضح.
لدى الولايات المتحدة اتفاقيات دفاعية مع 56 دولة، مما يوفر ضمانات أمنية لا تستطيع الصين مجاراتها ببساطة.
أما علاقاتها العسكرية، على النقيض من ذلك، فهي ضعيفة. المعاهدة الدفاعية الرسمية الوحيدة التي تربط الصين بكوريا الشمالية. هذا كل شيء.
وفي الوقت نفسه، تقدم أمريكا حالياً مساعدات عسكرية لإسرائيل وأوكرانيا، وهما حليفان غير مرتبطين بمعاهدة ويخوضان حروباً.
لا تمتلك الصين هذا المستوى من النفوذ، الأمر الذي يدفع العديد من جيرانها نحو عدوها اللدود.
عندما يتعلق الأمر بالتمويل، قد تكون الصين تربح بعض المعارك، لكنها defiلا تربح الحرب.
مبادرة الحزام والطريق مشروع ضخم للبنية التحتية يهدف إلى توسيع النفوذ العالمي للصين. وتُعدّ خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة في إندونيسيا، والموانئ في أفريقيا، والطرق السريعة التي تعبر آسيا الوسطى، مجرد أمثلة قليلة على محاولات الصين لتقليص النفوذ الأمريكي.
لكن هذه المشاريع تنطوي على مشكلة كبيرة، ألا وهي الديون الضخمة المستحقة للمقرضين الصينيين. وتشعر باكستان وسريلانكا وزامبيا جميعها بهذا الضغط.
ترى الدول النامية الساعية إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع جاذبية مبادرة الحزام والطريق. وأشار المسؤول السابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، دانيال روندي، إلى أن الصين أسرع وأقل تكلفة من الولايات المتحدة في إنجاز المشاريع.
يبدو نهج الصين فعالاً من البداية إلى النهاية. لكن ما لا يُذكر هو الضغط الاقتصادي طويل الأمد الذي تواجهه هذه الدول بسبب الديون التي تدين بها للصين.
تجارة النفط باليوان: مهمة بطيئة وغير محتملة
إن النقاش الأخير حول دفع الصين ثمن النفط السعودي باليوان هو الدافع وراء هذه المقالة.
المشكلة؟ حتى لو أرادت السعودية قبول اليوان، فالأمر ليس سهلاً. فاليوان ليس شائع الاستخدام في التجارة الدولية، وهناك أماكن قليلة جداً لإنفاقه.
بالنسبة لمصدري النفط، يعني هذا أن تراكم اليوان ينطوي على مخاطر جسيمة. فبدون وجود منافذ كافية لإنفاق اليوان، ستحتاج الدول إلى تحويله إلى عملات أخرى.
يؤدي هذا إلى ارتفاع التكاليف وزيادة مخاطر تقلبات العملة، مما يحد من جاذبية اليوان. لكن السعودية أبدت اهتماماً بتعزيز العلاقات مع الصين بما يتجاوز النفط.
dent زيارة الرئيس شي جين بينغ للمملكة في ديسمبر 2022 إلى إطلاق روابط مالية وثقافية ومؤسسية جديدة بين البلدين.
ومع ذلك، لا يزال دور اليوان في تجارة النفط ضئيلاً مقارنة بالدولار.
تتمتع شركات تصدير النفط التي تتاجر مع الصين بفائض تجاري ضخم معها، ما يعني أن دخلها باليوان يفوق قدرتها على الإنفاق.

إن الاحتفاظ بفائض اليوان ليس خياراً جذاباً، إذ ينطوي تحويله إلى عملات أخرى على تكاليف ومخاطر. بالنسبة لدول مثل السعودية، فإن فكرة مقايضة النفط باليوان لا تُعدّ مجدية اقتصادياً.
يواجه هيمنة الرنمينبي العالمية عقبات
منذ أن بدأت الصين مساعيها لاستخدام الرنمينبي عالمياً في عام 2009، كان التقدم بطيئاً.
قام بنك الشعب الصيني (PBOC) بالترويج لليوان من خلال قناتين رئيسيتين: زيادة التسويات التجارية باليوان وتنمية أسواق الرنمينبي الخارجية.
رغم أن حصة الصين من التجارة العالمية قد تضاعفت ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفعت من 4% عام 2002 إلى 13% عام 2023، إلا أن حصة اليوان في تسويات التجارة العالمية لا تزال ضئيلة. ففي عام 2012، لم تتجاوز حصة اليوان 1% من تسويات التجارة عبر الحدود، أما اليوم، فتبلغ ما يزيد قليلاً عن 3%.
قد يبدو هذا تقدماً، لكنه ضئيل مقارنةً بالدولار الأمريكي الذي يهيمن على 84% من تمويل التجارة العالمية. حتى اليورو، الذي يعاني من صعوبات، لا يزال يستحوذ على حصة أكبر من اليوان بنسبة 5.9%.
وقد أدت القضايا الاقتصادية في منطقة اليورو، مثل عدم وجود ضبط مالي وغياب اتحاد أسواق رأس المال الأوروبية، إلى زيادة تدهور وضع اليورو.
شهدت الصين فترات اكتسب فيها اليوان بعض الأرض في التجارة العالمية، لكن هذه المكاسب سرعان ما تم عكسها.
بين عامي 2012 و 2015، بذلت الصين جهوداً لتوسيع استخدام اليوان من خلال توقيع اتفاقيات مقايضة العملات مع الشركاء التجاريين.
مع ذلك، وبحلول أواخر عام 2015، انخفضت قيمة اليوان بشكل ملحوظ مقابل الدولار، مما أدى إلى انخفاض الطلب في عمليات التسوية التجارية. ومنذ عام 2018، بدأت العملة بالتعافي، وإن كان بوتيرة أبطأ بكثير.
يُعد تقلب سعر صرف اليوان سبباً رئيسياً لتردد العديد من الدول في استخدامه.
في عام 2022، أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة إلى انتعاش مؤقت لليوان، حيث ارتفعت حصته في التجارة العالمية من 2% إلى أكثر من 3%. ومنdentأن هذا لم يكن كافياً لتشكيل أي تهديد جدي للدولار.
هيمنة الدولار: راسخة ومتنامية
على الرغم من شي جين بينغ وصديقه المقرب المزعوم فلاد بوتين، فإن دور الدولار كعملة الاحتياط الرئيسية في العالم لا يزال آمناً.
دفعت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا من قبل مجموعة الدول السبع بعد غزو أوكرانيا، بعض الدول إلى استكشاف بدائل للدولار.
لكن حتى داخل مجموعة البريكس، لم يتم إحراز تقدم يذكر في الابتعاد عن الدولار الأمريكي.
أضاف نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود في الصين (CIPS)، والذي كان من المفترض أن يعزز سيولة اليوان، 62 مشاركًا هذا العام.

لكن مرة أخرى، هذا لا يكفي مقارنة بتأثير الدولار من خلال نظام سويفت.
تحدثت دول البريكس عن تطوير اتحاد نقدي، لكن هذه المناقشات لم تسفر عن أي شيء ملموس.
مع معاناة اليورو وعدم إحراز الرنمينبي أي تقدم حقيقي، لا يوجد بديل جدي للدولار في الوقت الحالي.
لقد لجأت الدول التي تسعى إلى تقليل تعرضها للمخاطر إلى الذهب، ولكن حتى الذهب ليس حلاً عملياً للاقتصاد العالمي.
هذا هو مدى سوء الوضع.

