في ظل انخفاض أسعار كل شيء، من السيارات الكهربائية إلى السلع الفاخرة، يُحكم مواطنو الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قبضتهم على نفقاتهم. حتى إغراء الأسعار المنخفضة لم يعد كافيًا لحثّهم على الإنفاق، إذ باتوا أكثر حذرًا من عدم الاستقرار الاقتصادي. هذا يُلقي الضوء على تغير عقلية المستهلكين في دولة تواجه مرحلة هامة من التنمية والتغيير.
صراع بين الرغبة والحذر
تتجسد المعضلة التي تواجهها العديد من العائلات الصينية اليوم في dent ريو ليو، المقيم في بكين والبالغ من العمر 38 عامًا. فنتيجة لانخفاض أسعار السيارات المستعملة والعزوف العام عن الإنفاق، يتردد ليو في شراء سيارة كهربائية جديدة، رغم حاجته الماسة لذلك لتلبية احتياجات عائلته المتنامية. هذه القصة هي نموذج مصغر لاتجاه أوسع: فقد دخلت أسعار المستهلك في الصين مرحلة انكماش لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا، نتيجة لعزوف كبير عن الإنفاق رغم انخفاض الأسعار.
لا يقتصر هذا الشذوذ الاقتصادي على كونه مجرد خلل إحصائي، بل يعكس ثقافة تحاول استيعاب عقلية الانكماش التي ترسخت في الوعي الجمعي للمستهلك الصيني. ورغم أن انخفاض الأسعار يبدو للوهلة الأولى مفيدًا للقدرة الشرائية، إلا أن هناك في الواقع تعقيدات كثيرة. ويراقب الاقتصاديون والمراقبون عن كثب ظاهرة تأجيل المستهلكين لعمليات الشراء تحسبًا لمزيد من التخفيضات في الأسعار.
مخاطر حذر المستهلكين في الصين
لهذا السلوك الحذر من جانب المستهلكين تداعيات واسعة النطاق تتجاوز قطاع السيارات. إذ تُخفّض المتاجر أسعار كل شيء، من مستحضرات التجميل إلى الأجهزة الإلكترونية، في محاولة لتشجيع الناس على الإنفاق أكثر، لكن المستهلكين لا يُبدون حماسًا دائمًا. ومما يزيد الوضع الاقتصادي تعقيدًا استمرار ضعف سوق العقارات، الذي لطالما كان مؤشرًا على ثقة المستهلك في الصين.
على الرغم من اقتراب رأس السنة الصينية، وهو وقت يرتبط عادةً بزيادة الإنفاق، إلا أن هذا الحذر لا يزال قائماً. ويشير خبراء مثل لويز لو من جامعة أكسفورد إيكونوميكس إلى أن الانتعاش المتوقع في النشاط الاستهلاكي كان محدوداً للغاية، مما يُبرز التوجه الانكماشي المتأصل. وتؤكد لو أن حذر المستهلكين الصينيين الجديد يُشير إلى تحول جذري في نظرتهم إلى المال، وليس مجرد تعديل مؤقت.
أكدت دراسة استهلاكية أجرتها مورغان ستانلي على اتجاه المجتمع المتزايد نحو تفضيل القيمة على الرفاهية، على الرغم من الارتفاع الطفيف في مبيعات التجزئة. ولا يقتصر الأمر على انخفاض الإنفاق الاستهلاكي في جميع الفئات، بل يُظهر الاستطلاع أيضًا أن الناس يختارون السلع الأرخص على حساب السلع الأغلى. فالجميع أصبح أكثر حرصًا على التوفير هذه الأيام؛ حتى سوق شنغهاي الراقي يكافح للبقاء في سوق لم يعد يُفيد البائعين.
قدّم خبراء الاقتصاد والسياسات صورة اقتصادية شاملة تُظهر متانة الأسس الاقتصادية للصين، لكن تكمن المشكلة في إنعاش الطلب الاستهلاكي. ورغم وجود مجال واسع للتوسع، إلا أن تحقيق ذلك سيكون صعباً لعدة أسباب، أهمها التعامل مع مناخ انكماشي يجعل الناس مترددين في الإنفاق.

