عندما تعتقد أنك فهمت الاقتصاد الأمريكي تمامًا، تأتي عقبة غير متوقعة تُزعزع استقرارك. في هذه الحالة، يتعلق الأمر بمنحنى العائد سيئ السمعة في أسواق السندات، الذي يُعرقل نظرياتنا المُحكمة حول المسار الاقتصادي للولايات المتحدة. هذه ليست مجرد عثرة مالية عادية؛ إنها بمثابة إنذار خطير، مؤشر classic على الركود الاقتصادي لا يزال يُنذر بالخطر.
يُشبه انعكاس منحنى العائد ذلك الضيف المُزعج في حفلة والذي يرفض المغادرة. عادةً، كلما طالت مدة السند، ارتفع العائد. لكن الآن، تُدرّ السندات قصيرة الأجل عوائد أعلى من السندات طويلة الأجل. هذا سيناريو يُنذر عادةً بمشاكل، مُشيرًا إلى احتمال انخفاض أسعار الفائدة في المستقبل لتحفيز النمو.
حدس الانعكاس: هل يشير إلى ركود اقتصادي أم أنه مجرد تضليل؟
هذا ليس مجرد مصطلح مالي معقد، بل هو سؤال جوهري. يُعدّ الفارق بين عوائد السندات لأجل سنتين وعشر سنوات المؤشر الأكثر رصدًا لهذه الظاهرة. وقد ظلّ هذا الفارق معكوسًا منذ يوليو 2022، وهي أطول فترة من نوعها منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ولكن ما الذي يُشير إليه هذا الفارق حقًا؟ لطالما كان منحنى العائد مؤشرًا موثوقًا به على حدوث كوارث اقتصادية، إذ تنبأ بدقة بالركود الاقتصادي على مدى الستين عامًا الماضية، باستثناء إنذار خاطئ واحد في عام 1965.
تتعدد النظريات حول أسباب حدوث ذلك. يرى البعض أنه مجرد توقع مباشر لتوقعات السوق، بينما يرى آخرون أنه نبوءة تحقق ذاتها، حيث تُشدد البنوك شروط الإقراض ويلجأ المستثمرون إلى الحذر بالاستثمار في السندات قصيرة الأجل، مما يُعيق إمكانات النمو على المدى الطويل. إنه نقاشٌ يُضاهي في تعقيده أي رواية بوليسية.
تُضفي المقارنات التاريخية طابعًا من الغموض. فقد شهد انفجار فقاعة التكنولوجيا عام 2000، وحملة شراء سندات الخزانة الصينية العالمية عام 2006، انعكاسات في منحنى العائد، لكن تم تجاهلها لأسباب مختلفة. وبالنظر إلى الماضي، كانت هذه الأحداث بمثابة مؤشرات تحذيرية مبكرة للأزمات الاقتصادية.
المعضلة الراهنة: الإنفاق خلال الجائحة وردود فعل السوق
نحن الآن بصدد التعامل مع تداعيات الإنفاق الحكومي الضخم في واشنطن لمواجهة جائحة كورونا، والذي ربما يكون قد أثر على القدرة التنبؤية المعتادة لمنحنى العائد. ومع استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي، يبدو الركود الاقتصادي تهديدًا بعيدًا. لكن ثمة مشكلة: غالبًا ما تتبع حالات الانكماش الاقتصادي انعكاس منحنى العائد بفارق زمني. ويشير محللو الاستراتيجيات في بنك جيه بي مورغان إلى أن خطر الركود يبلغ ذروته بين 14 و24 شهرًا بعد الانعكاس، مما يضعنا في منطقة الخطر خلال النصف الأول من عام 2024 على الأقل.
يؤكد بنك غولدمان ساكس هذا الرأي، مسلطًا الضوء على أهمية مدة الانعكاس، حيث تُعدّ الفترات الأطول أكثر إثارة للقلق. وقد خفّض البنك توقعاته لاحتمالية حدوث ركود اقتصادي هذا العام إلى 30%، بانخفاض عن النطاق الذي تراوح بين 45% و55% في العام الماضي. ولكن دعونا لا نحتفل بهذه النتيجة بعد. تذكروا، قد يتمتع المحققون في الروايات برفاهية التوصل إلى استنتاجات واضحة ومباشرة، لكن عالم الاقتصاد والأسواق المالية الحقيقي أكثر تعقيدًا بكثير.
يتوقع السوق حاليًا أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بأكثر من خمسة أضعاف. فلماذا هذا الإجراء الجذري إن لم يكن لإنقاذ اقتصاد متعثر؟ إنه يشير إلى مشكلة أعمق مما توحي به التوقعات المتفائلة.
يشهد التضخم انخفاضاً تدريجياً، ومعدلات البطالة منخفضة، مما يبعث على بصيص أمل. ويعكس تحوّل بنك ويلز فارجو الأخير من توقعات الركود إلى توقعات هبوط سلس هذا التغيير في التوجهات. مع ذلك، ينبغي توخي الحذر عند التفاؤل، فالبيانات الاقتصادية، وإن كانت إيجابية في معظمها، تكشف عن نقاط ضعف كامنة، لا سيما في سوق العمل.
العوامل الثلاثة المسببة للركود الاقتصادي
- الاضطرابات الاقتصادية التي أعقبت رفع أسعار الفائدة : يسعى الاحتياطي الفيدرالي إلى كبح جماح التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة بشكل حاد. هدفه صعب: خفض التضخم دون التسبب في خسائر واسعة النطاق في الوظائف. إلا أن هذا التوازن محفوف بالمخاطر. فمع بدء تآكل الاحتياطيات التي توفرها مدخرات المستهلكين واحتياطيات الشركات، يتزايد خطر انزلاق الاقتصاد إلى الركود.
- احتمال عودة التضخم : ثمة خطر محدق يتمثل في احتمال عودة التضخم للظهور مجدداً. وفي حال حدوث ذلك، سيجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه في مأزق. فخفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد قد لا يكون خياراً مجدياً، بينما قد يؤدي رفعها إلى تفاقم الوضع، وربما يدفع الاقتصاد نحو الانكماش.
- صدمات اقتصادية غير متوقعة : يشهد العالم حالة من عدم اليقين، بدءاً من الاضطرابات الجيوسياسية وصولاً إلى أزمات صحية جديدة محتملة. أيٌّ من هذه العوامل قد يُحدث صدمات في المشهد الاقتصادي، مُخلاً بالتوازن الهش الذي يسعى الاحتياطي الفيدرالي جاهداً للحفاظ عليه.
يواجه الاقتصاديون وضعاً مليئاً بالشكوك، إذ يوازنون بين التفاؤل الحذر بشأن هبوط اقتصادي سلس وبين المخاطر المحتملة. ويُعدّ الانعكاس المستمر لمنحنى العائد تذكيراً صارخاً بأن الاستقرار الاقتصادي ليس مضموناً، وأن اليقظة هي المفتاح في هذه الأوقات المتقلبة.

