كان الاقتصاد الأمريكي هذا الأسبوع أشبه بلوحة أحجية ناقصة القطع، مُربكة ومُحبطة، تاركةً الجميع في حيرة من أمرهم بشأن الصورة الكلية. حمل شهر فبراير إشارات اقتصادية مُتباينة، راسماً صورةً ضبابيةً لا تتضح معالمها. فمن جهة، يبدو المستهلكون الأمريكيون مُتفائلين للغاية، إذ ارتفع تفاؤلهم بشأن الاقتصاد للشهر الثالث على التوالي، وفقاً لأحدث استطلاع أجرته جامعة ميشيغان. ويُشير هذا الارتفاع في المعنويات، الذي بلغ 79.6 نقطة، إلى مرونة الاقتصاد، مُنتعشاً بنحو 30% منذ نوفمبر. لكن بمجرد التعمق في التفاصيل، تبدأ الصورة الوردية بالتلاشي. فلنُحلل هذا الوضع.
شبكة متشابكة من المؤشرات الاقتصادية الأمريكية
في الوقت الذي ظننت فيه أن الأمور قد استقرت، جاءت تقارير مؤشر أسعار المنتجين (PPI) ومؤشر أسعار المستهلك (CPI) قوية، مشيرةً إلى أن التضخم لم ينحسر بعد. أشار مؤشر أسعار المنتجين في يناير إلى استمرار التضخم، حيث ارتفع أكثر من المتوقع، مما وضع الاحتياطي الفيدرالي في مأزق. ما هو هذا المأزق؟ هل يخفض أسعار الفائدة أم لا في ظل عودة ضغوط التضخم؟ في الوقت نفسه، كانت أسعار المستهلك في يناير مماثلة، إذ تجاوزت التوقعات، مما قلل من الآمال في تخفيف التضخم.
ومع ذلك، بدا أن سوق الأسهم يتجاهل هذه المخاوف، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً. ينظر المستثمرون، مدفوعين بمزيج من الحماس للذكاء الاصطناعي والأرباح القوية للشركات، بتفاؤل كبير، وينظرون إلى التوقعات الاقتصادية بنظرة لم نشهدها منذ عامين. وفي خضم هذه الظروف، عبّر المستهلكون عن إيمانهم بمستقبل أفضل، مقتنعين بأن تباطؤ التضخم وانتعاش سوق العمل سيستمران.
سوق العمل: الشقوق الكامنة وراء السطح
لكنني لن أحتفل بهذه المناسبة الآن. فسوق العمل، رغم انتعاشه الملحوظ في يناير مع الزيادة الكبيرة في الوظائف، ليس كما يُصوَّر. بعد التدقيق في البيانات، لاحظتُ انخفاضًا في ساعات العمل، وتراجعًا في التوظيف بدوام كامل، وتجميدًا للتوظيف في قطاعات مثل قطاع المطاعم. من المرجح أن انتعاش سوق العمل مؤقت.
والآن دعونا نتحدث عن التضخم، الذي لا يزال يمثل مشكلة كبيرة يصعب تجاهلها. فرغم الآمال المعقودة على اعتداله، إلا أن الارتفاع غير المتوقع في مؤشر أسعار المستهلك يرسل رسالة واضحة مفادها أن التضخم ما زال مستمراً بعناد. أضف إلى ذلك ارتفاع معدلات التخلف عن سداد بطاقات الائتمان، وستحصل على وصفة للقلق الاقتصادي.
وتأكيداً لهذا الرأي، يعتقد كبير الاقتصاديين الأمريكيين في سيتي أننا بحاجة إلى التخلي عن حلم الهبوط السلس، متوقعاً حدوث ركود اقتصادي في المستقبل القريب. لذا، قد تبدو البيانات براقة ظاهرياً، لكنها تخفي defiالعديد من المشاكل - ارتفاع معدلات البطالة، وركود الإنفاق الاستهلاكي، وخطر التضخم المُحدق.
إنّ تشديد قبضة ارتفاع أسعار الفائدة وخطط الاستثمار الحذرة لا يبشر بالخير لنمو الشركات في الولايات المتحدة . في المقابل، يُظهر الاقتصاد الواقعي صورةً مختلفة، صورةً تتسم بالحذر وإعادة التقييم، على الرغم من أن ارتفاع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قد يوحي بغير ذلك.

