في عالمٍ يُواجه تحديات التغير المناخي، يُنظر إلى احتمالية تولي الذكاء الاصطناعي وظائف البشر من منظورٍ جديد يُراعي الأثر البيئي. ومع تفاقم أزمة المناخ، يبحث الباحثون فيما إذا كان استبدال العمالة البشرية بالذكاء الاصطناعي، في ظلّ التحديات الكربونية التي يُسببها، يُمكن أن يُقدّم حلاً منخفض الكربون. ويُطرح هنا سؤالٌ مُثير للاهتمام: هل ينبغي لنا السماح للذكاء الاصطناعي بأخذ وظائفنا إذا كان يُنتج انبعاثات كربونية أقل؟ يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يُحقق كفاءاتٍ مُذهلة، حيث يُقلل انبعاثات الكربون بآلاف المرات في بعض المهام، بينما يُشدد آخرون على البصمة الكربونية الهائلة للذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة التركيز على تنمية القدرات البشرية بدلاً من ذلك.
كفاءة الذكاء الاصطناعي في خفض انبعاثات الكربون
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحقق كفاءات مذهلة – في دراسة رائدة أجرتها جامعة كاليفورنيا في إرفاين، قارن الباحثون انبعاثات الكربون الناتجة عن الكُتّاب والفنانين البشريين مع تلك الناتجة عن أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية. وكشفت النتائج عن ميزة بيئية كبيرة للذكاء الاصطناعي، حيث ينبعث منه ما يقارب 2900 ضعف أقل من ثاني أكسيد الكربون مقارنةً بفنان أمريكي، و370 ضعفًا أقل من فنان هندي. ولوحظت مكاسب مماثلة في الكفاءة في مهام الكتابة، حيث كان الأثر المناخي لمؤلف أمريكي يزيد عن ألف ضعف عن نظام ذكاء اصطناعي مثل ChatGPT.
ذروة الأداء البشري والمساهمة المحورية للذكاء الاصطناعي – تتجاوز الفوائد البيئية للذكاء الاصطناعي المهام الإبداعية. فقد قامت شركات مثل AMP Robotics بنشر روبوتات موجهة بالذكاء الاصطناعي في مرافق إعادة التدوير، حيث تجمع المواد بسرعة تصل إلى ضعف سرعة البشر، مما يساهم في تجنب انبعاث ملايين الأطنان المترية من غازات الاحتباس الحراري. كما تُبرز دراسات من الصين التأثير السلبي للذكاء الاصطناعي على كثافة الكربون في الصناعات كثيفة العمالة، مما يشير إلى أن الروبوتات قد تؤدي المهام بشكل أسرع وبانبعاثات أقل.
ذروة النمو السكاني ودور الذكاء الاصطناعي - مع بلوغ الدول المتقدمة ذروة النمو السكاني، وسعي بقية العالم للحاق بها، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كحل محتمل للحفاظ على جودة حياتنا مع خفض الانبعاثات. وقد يجعل شيخوخة السكان في الغرب والتحولات الديموغرافية الوشيكة عالميًا من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا لتحقيق الأهداف البيئية والاجتماعية على حد سواء.
تحديات الكربون التي تواجهها تقنيات الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي يتجاوز مفهوم الأجهزة التقنية – على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يبشر بالخير في خفض الانبعاثات، إلا أنه يواجه تحدياته الخاصة. فعلى عكس أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا يمكن إيقاف البشر عن العمل. ويعتمد الأثر المناخي الإجمالي لاستبدال الذكاء الاصطناعي على خيارات نمط حياة العمال المسرحين. ورغم وجود وفورات في انبعاثات الكربون نتيجة تقليل التنقل، إلا أن الأثر البيئي الصافي لا يزال غير مؤكد.
كشف البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي – على الرغم من كفاءته في بعض المهام، إلا أن البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي تُشكل مصدر قلق متزايد. فاستهلاك الطاقة لتدريب نماذج اللغة الضخمة هائل، ويعادل تزويد منزل أمريكي بالطاقة لعقود. كما أن متطلبات القدرة الحاسوبية المتزايدة تُشكل تحديًا، ويثير استهلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي للمياه والطاقة تساؤلات حول استدامتها الشاملة.
تقييم الحاجة إلى مزيد من الذكاء – يرى النقاد أن كوكب الأرض يمتلك قدرة معالجة كافية، إذ يبلغ عدد سكانه الأذكياء نحو 8 مليارات نسمة. ويشككون في جدوى السعي وراء الطموحات التكنولوجية، ويقترحون توجيه الجهود نحو تعزيز الازدهار ومساعدة الأفراد على بلوغ أقصى إمكاناتهم.
اتجاهات ناشئة تستحق الاهتمام
تقنية مستوحاة من العقل – يكمن أحد الحلول المحتملة للحد من البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي في تطوير معالجات عصبية الشكل مستوحاة من بنية الدماغ البشري. تعد هذه الرقائق أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، مما يوفر سبيلاً لتقليل الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي بشكل كبير.
الدخل الأساسي الشامل (UBI) - يدعو بعض رواد التكنولوجيا، بمن فيهم سام ألتمان مؤسس OpenAI، إلى تطبيق الدخل الأساسي الشامل كضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي. وقد بدأت بالفعل دراسات تجريبية لاستكشاف جدوى تقديم مدفوعات cash مجانية لضمان العدالة الاجتماعية في عالم تحتل فيه الأتمتة مكانة مركزية.
دور الذكاء الاصطناعي في الحد من انبعاثات الكربون - تتجاوز إمكانيات الذكاء الاصطناعي مجرد الاستغناء عن الوظائف، حيث تهدف مبادرات مثل مبادرة "الذكاء الاصطناعي من أجل المناخ" إلى تسخير قدراته لتحقيق فوائد بيئية. فمن الحد من آثار الطائرات في مجال الطيران إلى موازنة شبكات الكهرباء وتعزيز الأنظمة الغذائية المستدامة، يحمل الذكاء الاصطناعي في طياته وعداً كبيراً في مواجهة تحديات المناخ.
مع تصاعد النقاش حول استيلاء الذكاء الاصطناعي على الوظائف بهدف خفض انبعاثات الكربون، يبقى السؤال المحوري بلا إجابة: هل نسمح للذكاء الاصطناعي بأخذ وظائفنا إذا كان يُنتج انبعاثات كربونية أقل؟ يضعنا التناقض بين كفاءة الذكاء الاصطناعي وتحدياته البيئية أمام مفترق طرق. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، يصبح إيجاد توازن يحافظ على الوظائف، ويدعم الاحتياجات المجتمعية، ويتصدى لأزمة المناخ المُلحة، أمرًا بالغ الأهمية. هل يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون القوة التحويلية التي نحتاجها، أم أنه يُخاطر بتفاقم التحديات التي يسعى لحلها؟ يكمن المستقبل في إيجاد هذا التوازن الدقيق.

