مع تسارع السباق العالمي لتنظيم الذكاء الاصطناعي، فإن منطقة جنوب شرق آسيا ليست ببعيدة عن هذا التوجه. فالمخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والسلامة والخصوصية تدفع الدول إلى صياغة قوانين لتسخير هذه التكنولوجيا المتطورة.
تمثل دينيس ياب، وهي رسامة ومصممة رسوم متحركة مستقلة تبلغ من العمر 28 عامًا من سنغافورة، القطاع الإبداعي الذي يواجه تحديات تطورات الذكاء الاصطناعي. ومع ازدياد شعبية أدوات مثل DreamUp وMidjourney وStable Diffusion، يشهد مجال الفن القائم على الذكاء الاصطناعي ازدهارًا ملحوظًا. تستطيع هذه الأدوات، باستخدام تقنيات التعلم الآلي، إنتاج أعمال فنية في ثوانٍ معدودة، من خلال تحليل آلاف الصور عبر الإنترنت.
يثير ياب قضية بالغة الأهمية، ألا وهي ضرورة سنّ قوانين لحماية حقوق الفنانين. فمع قيام أدوات الذكاء الاصطناعي الفنية ببناء قواعد بيانات من أعمال الفنانين الأحياء، يتصاعد الجدل حول الملكية الفكرية وانتهاك حقوق النشر. ويعكس هذا القلق مشكلة عالمية أوسع نطاقًا، حيث يشعر الفنانون بأن الذكاء الاصطناعي يُقوّض أعمالهم، إذ يمكنه استنساخ أساليب فنية طُوّرت على مرّ السنين دون موافقة أو مقابل.
الذكاء الاصطناعي وسوق العمل: سلاح ذو حدين
يواجه سوق العمل تحدياته الخاصة مع دمج الذكاء الاصطناعي. ويحذر تقرير صادر عن غولدمان ساكس من أن ما يصل إلى 300 مليون وظيفة قد تتأثر بأتمتة الذكاء الاصطناعي. ويبرز هذا التهديد بشكل خاص في دول مثل الهند والفلبين، حيث يمكن لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تحل محل مراكز الاتصال التي يديرها البشر. وبالمثل، يتوقع تقرير في تايلاند أن الذكاء الاصطناعي قد يجعل العديد من الوظائف الإدارية والمكتبية زائدة عن الحاجة بحلول عام 2030.
مع ذلك، ليس كل شيء قاتماً. فالذكاء الاصطناعي يتيح أيضاً فرصاً لزيادة الكفاءة والابتكار في بيئة العمل. على سبيل المثال، تستخدم المواطنة التايلاندية كولفادي بونغلاف برنامج الدردشة الآلي "بارد" من جوجل لكتابة الخطابات، مما يُبرز فوائد الذكاء الاصطناعي في توفير الوقت.
نهج رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان): مبادئ توجيهية لحوكمة الذكاء الاصطناعي
على الصعيد الإقليمي، تعمل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) على تطوير مبادئ توجيهية لحوكمة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته. ورغم أنه لا يُتوقع أن تُترجم هذه المبادئ إلى تشريعات إقليمية، إلا أنها قد تُؤثر على الدول الأعضاء لحثها على سنّ قوانين جديدة أو تعديل القوانين القائمة. وتهدف هذه المبادرة إلى وضع إطار عمل للتخفيف من مخاطر الذكاء الاصطناعي مع الاستفادة القصوى من مزاياه.
من المتوقع أن تعالج هذه التوجيهات احتياجات ملحة مثل حماية البيانات الشخصية، والأمن السيبراني، وحقوق المستهلك. وتؤكد الدكتورة كاريل ساغون-تراجانو من كلية إس راجاراتنام للدراسات الدولية على أهمية الوعي العام والمشاركة في فهم تأثير الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
مراحل التنمية المتنوعة داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)
تتفاوت مستويات تطور الذكاء الاصطناعي بين الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). فدول مثل سنغافورة وماليزيا تستفيد من الهيئات الدولية للتأثير على معايير الذكاء الاصطناعي العالمية. في المقابل، لا تزال دول مثل بروناي وكمبوديا ولاوس وميانمار في طور وضع استراتيجياتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي. هذا التفاوت يؤكد الحاجة إلى نهج إقليمي منسق لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
يكمن التحدي الذي يواجه دول الآسيان في تحقيق التوازن بين الابتكار والتنظيم. فالقواعد الصارمة للغاية قد تكبح الابتكار، بينما قد تشكل السياسات المتساهلة مخاطر اجتماعية. وتتطلب الطبيعة الديناميكية للذكاء الاصطناعي مراقبة وإشرافًا دقيقين، ربما من خلال تطوير الأنظمة بدلاً من فرض رقابة صارمة.
الرد التشريعي لسنغافورة
على سبيل المثال، عدّلت سنغافورة قانون حقوق التأليف والنشر الخاص بها في عام 2021 للسماح بنسخ الأعمال المحمية بحقوق التأليف والنشر باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض تحليل البيانات، مما يحقق توازناً بين الابتكار ومصالح أصحاب حقوق التأليف والنشر. ويُجسّد هذا التعديل كيف يمكن للدول تكييف قوانينها القائمة لمواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة جوانب مثل الخصوصية والأمن والمساءلة.
يتمثل الهدف الأسمى لتنظيم الذكاء الاصطناعي، كما يؤكد الخبراء، في ضمان استخدامه ليس فقط لتحسين الأداء، بل أيضاً لخدمة المجتمع. ويمكن للتنظيم الفعال أن يُسهم في تحقيق إمكانات الذكاء الاصطناعي في إحداث تحول إيجابي في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والنقل ومكافحة الجريمة.
بينما تخوض منطقة جنوب شرق آسيا غمار تنظيم الذكاء الاصطناعي المعقد، يبقى التركيز منصباً على تهيئة بيئة متناغمة تُمكّن الذكاء الاصطناعي من الازدهار بمسؤولية. وستكون جهود المنطقة في صياغة مبادئ توجيهية للذكاء الاصطناعي، وتكييف القوانين القائمة، وتعزيز المشاركة العامة، حاسمة في تشكيل مستقبل يكون فيه الذكاء الاصطناعي قوة مؤثرة وفعّالة في المجتمع.

