بدأ الاقتصاد الفرنسي بالخروج تدريجيًا من ركود دام ستة أشهر، مما أثار بعض التكهنات حول إمكانية تحقيق نمو في أوائل عام 2024، إلا أن هذا التفاؤل حذر للغاية. ووفقًا لأحدث المعلومات الواردة في المسح الشهري للأعمال الذي يجريه بنك فرنسا، فإن المشهد الاقتصادي يتغير، ولكن لا داعي للاحتفال بهذه النتائج المتفائلة.
مع تعافي قطاع الخدمات وبدء الصناعة في استعادة نشاطها، تشير التوقعات إلى انتعاش طفيف في النشاط الاقتصادي. ومع ذلك، فإن ما يُشاع، بفضل تصريح محافظ بنك فرنسا فرانسوا فيليروي دي غالهو، هو توقع تحسن طفيف في الأوضاع الاقتصادية، وإن كان بوتيرة بطيئة.
اقتصاد يرقص على حبل مشدود
كانت رحلة فرنسا عبر الأزمة الاقتصادية أشبه بالمشي على حبل مشدود في رياح عاتية. ففي العام الماضي، بينما كانت اقتصادات أوروبية أخرى تعاني من وطأة التضخم، أظهرت فرنسا صلابةً لا تُضاهى. ولكن مع حلول عام 2024، يشير التباطؤ المستمر إلى أن المعركة لم تنتهِ بعد. هذه البداية البطيئة تُشكل عائقًا أمامdent إيمانويل ماكرون، الذي يعوّل على انتعاش قوي لإنعاش الخزينة العامة وسوق العمل. ومع ذلك، ثمة بصيص أمل على صعيد التضخم، حيث قلّ عدد الشركات التي ترفع الأسعار، مما يوحي بأنه ربما، وربما فقط، يمكن للمستهلكين أن يتنفسوا الصعداء.
يرى فيليروي احتمال خفض البنك المركزي الأوروبي إذا استقر التضخم عند مستوى 2%. إنها عملية دقيقة تتطلب دراسة متأنية لكل مؤشر للنشاط الاقتصادي والبيانات المتاحة. لكن دعونا لا نخدع أنفسنا؛ فالطريق إلى التعافي مليء بالعقبات، بدءًا من مشروع قانون الهجرة المثير للجدل الذي يُؤجج الأوضاع، وصولًا إلى الصعود المقلق لليمين المتطرف.
تحديات جمة: من نقص العمالة إلى الاضطرابات السياسية
يُعاني القطاع الاقتصادي الفرنسي من نقصٍ حادٍ في الأيدي العاملة، حيث تتوق الوظائف ذات المهارات العالية والمنخفضة على حدٍ سواء إلى العمالة. يُسلط أحدث تقرير للمفوضية الأوروبية الضوء على هذه الأزمة المستمرة، مُلمحًا إلى الاعتماد على العمالة المهاجرة كحلٍ مُحتمل. إلا أن هذا التوجه، في ظل توجه البرلمان نحو فرض قيودٍ صارمة على الهجرة، يُعدّ بمثابة إلحاق الضرر بالاقتصاد الفرنسي.
لا يقلّ صعود اليمين المتطرف في فرنسا إثارةً للقلق، إذ تصاعدت حدة التوتر عقب مقتل مراهق على يد الشرطة في يونيو الماضي. ويُعدّ هذا الاضطراب مؤشراً واضحاً على تزايد استياء الشعب من إدارة ماكرون، مما يُمهّد الطريق لتغيير سياسي قد يُتيح لليمين المتطرف اكتساب نفوذ كبير.
على صعيد قطاع التصنيع، كان أداء القطاع ضعيفاً، ولم تظهر بوادر انتعاش مع نهاية العام. ويُخيّم شبح "الركود التقني" بقوة، مُهدداً بتفاقم الوضع الاقتصادي. وتُضيف ميزانية التقشف التي أعلنها وزير المالية برونو لومير بُعداً آخر من التعقيد، إذ تهدف إلى ترشيد الإنفاق مع تجنب رفع الضرائب على الأسر.
بينما تستعد فرنسا لاستقبال عام 2024، يتضح جلياً أن طريق الاستقرار الاقتصادي محفوف بالتحديات. ففي ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي، والصراعات السياسية الداخلية، والتهديد الدائم بإجراءات التقشف، فإن تعافي الاقتصاد الفرنسي ليس مضموناً على الإطلاق. الطريق طويل وشاق، وما إذا كانت فرنسا قادرة على اجتياز هذه المرحلة الصعبة بنجاح يبقى رهناً بالوقت. لكن هناك أمر واحد مؤكد: الرحلة ستكون مليئة بالتحديات.

