وسط ضجيج التوقعات القاتمة والتشاؤم الاقتصادي، استطاع الاقتصاد الأمريكي، كالملاكم المخضرم، أن يتجاوز الركود الاقتصادي في عام 2023 ببراعة. والآن، مع حلول عام 2024، لا يكتفي الخبراء بالتفاؤل فحسب، بل ينظرون إلى آفاقه بتفاؤل بالغ. هذا التحول في المزاج العام لا يستند إلى آمال عابرة، بل إلى سلسلة من المؤشرات الاقتصادية القوية التي تتحدى التوقعات الكئيبة التي وضعتها بعض المؤسسات المالية الرائدة في العالم، مثل جي بي مورغان وستاندرد تشارترد.
مدّ التغيير
على الرغم من المشهد العالمي المليء بالصراعات - التوترات في البحر الأحمر، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر، والحرب الروسية الأوكرانية - يبدو أن الاقتصاد الأمريكي متماسك بقوة. هذه المرونة جديرة بالملاحظة، خاصةً بالنظر إلى أن هذه الاضطرابات الدولية لا تظهر أي مؤشرات على انحسارها، وكان من الممكن نظرياً أن rippleعلى الاقتصاد الأمريكي، مُسببةً ركوداً. إلا أن الواقع مختلف تماماً.
كان نجاح الاحتياطي الفيدرالي في خفض التضخم من مستوى مذهل بلغ 6.5% إلى مستوى أكثر قابلية للتحكم بلغ 3.1% خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية عاملاً حاسماً. يُعد هذا الإنجاز هاماً، على الرغم من أن الهدف هو خفض التضخم إلى ما دون عتبة 2%. علاوة على ذلك، لا تشهد الولايات المتحدة انخفاضاً في التضخم فحسب، بل تشهد أيضاً انتعاشاً ملحوظاً في الإنفاق الاستهلاكي، لا سيما خلال موسم أعياد الميلاد مع ارتفاع الإنفاق بنسبة 2%.
الأمر الأكثر طمأنينة هو متانة سلسلة التوريد في جميع أنحاء البلاد. فقد بدأت أزمة نقص العمالة، التي كانت مصدر قلق كبير بعد الجائحة، بالانحسار. وأفادت الشركات، الكبيرة والصغيرة على حد سواء، بوفرة في المواد الخام، وهو وضع هو الأفضل منذ ما قبل الجائحة.
أسباب للتفاؤل
أظهر استطلاع رأي أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديي الأعمال (NABE) هذا التفاؤل الجديد. فقد توقع 91% منdentأن احتمالية دخول الولايات المتحدة في ركود اقتصادي خلال الأشهر الـ 12 المقبلة لا تتجاوز 50%. ويمثل هذا ارتفاعًا ملحوظًا مقارنةً بنسبة 79% في استطلاع أكتوبر، وتناقضًا صارخًا مع رأي الأغلبية في العام الماضي، الذي توقع حدوث ركود اقتصادي في ظل سعي الاحتياطي الفيدرالي لمواجهة التضخم المرتفع برفع أسعار الفائدة.
يتوافق استطلاع الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال (NABE) مع العديد من المؤشرات الاقتصادية. يشهد مستوى ثقة المستهلكين ارتفاعًا ملحوظًا، مسجلًا أعلى مستوى له في عامين ونصف. وينخفض التضخم بوتيرة أسرع من المتوقع، وبينما يشهد سوق العمل تباطؤًا، إلا أنه لا يزال بعيدًا عن الانهيار. ومن المتوقع ارتفاع مبيعات الشركات وهوامش أرباحها، وتراجع المخاوف بشأن مشاكل سلاسل التوريد ونقص العمالة - وكلها أخبار إيجابية محتملة لتوقعات التضخم.
لكن دعونا لا نحتفل الآن. فقد انضم بنك ويلز فارجو، الذي كان يُعتبر في السابق نذيرًا للركود، إلى جوقة المتفائلين، متوقعًا "هبوطًا سلسًا" للاقتصاد. مع ذلك، من المهم أن نتذكر أن التوقعات قد تخطئ، كما حدث العام الماضي. فالمخاطر التي تم تسليط الضوء عليها في عام 2023 لم تختفِ تمامًا. وتشير البيانات الاقتصادية، رغم إيجابيتها في معظمها، إلى بعض الهشاشة الكامنة، لا سيما في سوق العمل.
إذن، ما الذي يحدث في خضمّ الاقتصاد؟ تُعدّ مناورات أسعار الفائدة التي يقوم بها الاحتياطي الفيدرالي، والتباطؤ المفاجئ في التضخم، وسوق العمل المتين، من أهمّ العوامل. ولكن تذكّر، أن وصفة الاستقرار الاقتصادي معقدة وحساسة، فهي تتطلب تحقيق توازن بين السيطرة على التضخم وتجنب فقدان الوظائف على نطاق واسع.
الإبحار في البحار الاقتصادية
قد يتخذ مسار الاقتصاد الأمريكي المستقبلي مسارات متعددة. يبقى سيناريو "التباطؤ المتأخر" وارداً، حيث قد تظل آثار ارتفاع أسعار الفائدة تلوح في الأفق. أما "عودة التضخم" فهي مسار آخر، حيث قد ينتعش التضخم، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف حرج. ولا ننسى احتمالية "المفاجآت غير السارة" - فالتوترات الجيوسياسية، والمواجهات السياسية الداخلية، أو الأحداث العالمية غير المتوقعة قد تهز الاقتصاد بسهولة.
مع دخولنا عام 2024، يتضح جلياً dent الاقتصاد الأمريكي لم يتعافَ تماماً بعد. هناك مجال للتفاؤل والحذر على حد سواء. فالرحلة أشبه بالمشي على حبل مشدود، حيث التوازن هو الأساس، والمخاطر حقيقية بقدر الفرص. ويُعدّ الوضع الراهن للاقتصاد الأمريكي دليلاً على مرونته وفعالية السياسات المُتخذة. ومع ذلك، فإن الطريق أمامنا مليء بالشكوك، والوقت وحده كفيل بإثبات مدى قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه التحديات.

