حافظ بنك كندا على هدوئه المعهود، مُبقيًا على سعر الفائدة عند 5% للجولة الرابعة على التوالي، مُظهرًا رباطة جأشٍ جعلت الأسواق والاقتصاديين يُومئون برؤوسهم موافقين دون أي استغراب. لم يكن هذا قرارًا مُتسرعًا، بل خطوةً مدروسة، حيث وجّه كبار المسؤولين في البنك، بقيادة المحافظ تيف ماكليم، رسالةً واضحة: طالما أن الاقتصاد يسير وفقًا للخطة الموضوعة، فلا داعي لرفع أسعار الفائدة.
وقفة محسوبة في الأوركسترا المالية
في ما يُمكن وصفه بأنه درسٌ نموذجي في ضبط النفس المصرفي المركزي، وضع المحافظ ماكليم القواعد بوضوحٍ لا لبس فيه. وقرر مجلس إدارة البنك، بالإجماع، أن سعر الفائدة الحالي البالغ 5% هو الأمثل. ولكن المفاجأة تكمن هنا: لم يعد النقاش الدائر حول السياسة النقدية يدور حول إخضاع الاقتصاد أكثر. بل تغير النقاش إلى مدة استمرار هذا التقييد.
قد تكون هذه التصريحات التيسيرية بمثابة موسيقى لآذان أولئك الذين يخشون من تشديد السياسة النقدية، إذ تُلمّح إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة في المستقبل القريب. ومع الاقتصاد الكندي على ما يبدو، وتوقع عودة التضخم إلى هدف البنك المركزي البالغ 2% بحلول العام المقبل، فإن الظروف مهيأة لتخفيف محتمل لأسعار الفائدة في المستقبل المنظور.
كانت خطة ماكليم واضحة: إذا سارت الأحداث الاقتصادية كما هو متوقع، فسينصبّ التركيز قريباً على مدة سريان سعر الفائدة البالغ 5%. وقد أدى هذا الكشف إلى انخفاض طفيف في قيمة الدولار الكندي، مما محا مكاسبه السابقة وأثار ضجة في سوق الصرف الأجنبي.
الإبحار في التيارات الاقتصادية
إنها عملية دقيقة تتطلب توازناً دقيقاً، هذا العمل المصرفي المركزي. فبينما يراقب ماكليم وفريقه عن كثب تيارات التضخم المستمرة، فإنهم يبحرون في مياه ضبابية بحذر. ويتوقع البنك المركزي فائضاً طفيفاً في الموارد، مما دفعه إلى خفض توقعاته للنمو إلى 0.8% فقط لهذا العام.
لكن لا تدع توقعات النمو الضعيفة تُثبط عزيمتك. فبنك كندا لم يستسلم بعد، إذ يعوّل على هبوط سلس مع توقعات بتسارع النمو بحلول منتصف العام. ومن المتوقع أن يحوم التضخم، الذي يُعدّ شوكة في خاصرة الاقتصاد، حول 3% في النصف الأول من عام 2024، مع انخفاض تدريجي إلى 2.5% بحلول نهاية العام، ليعود في النهاية إلى الهدف المنشود البالغ 2% في العام التالي.
تزداد الأمور تعقيداً مع ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 3.4% سنوياً في ديسمبر، وثباته فوق مستوى 3% طوال معظم الفترة الأخيرة. ولا ننسى أيضاً مؤشرات التضخم الأساسي، التي شهدت بدورها تقلبات ملحوظة.
تستمر الأجور في الارتفاع بمعدل سنوي يتراوح بين 4% و5%، ومن المتوقع أن تتماشى بشكل أوثق مع التضخم ومكاسب الإنتاجية المتواضعة مع تطور الأحداث. ومع ذلك، من المتوقع أن يُبقي موضوع تضخم أسعار المساكن المشاهدين في حالة ترقب وتشويق، حيث يُتوقع أن تنخفض تكاليف فوائد الرهن العقاري تدريجيًا، بفضل تحسن الأوضاع المالية وديناميكيات تجديد الرهون العقارية.
مع ذلك، وسط هذه التوقعات والتنبؤات، يلوح في الأفق شبح ارتفاع أسعار المنازل عن المتوقع، مهدداً برفع التضخم أكثر من اللازم. ويتأثر الوضع الاقتصادي في كندا بشكل خاص بتقلبات أسعار الفائدة نظراً لارتفاع مستويات ديونها وطبيعة سوق الرهن العقاري، مما يدفع الكثيرين للتكهن بخفض وشيك لأسعار الفائدة في وقت مبكر من شهر يونيو، وهو ما يعكسه سوق مقايضات الفائدة لليلة واحدة.

