حذر كازو أويدا، محافظ بنك اليابان، من أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار المالي.
وفي حديثه في منتدى يوروبليس المالي في طوكيو، ركز أويدا على كيفية تأثير التطورات التكنولوجية السريعة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، على تعطيل الأنظمة الاقتصادية وتضخيم المخاطر.
كان لتصريحاته وزن كبير، خاصة مع سعي اليابان الحثيث لاستعادة ريادتها التكنولوجية العالمية في الوقت الذي تعالج فيه مشكلة شيخوخة سكانها وتناقص أعدادهم.
رغم أن تصريحات أويدا المُعدّة مسبقاً تجنبت التعليقات المباشرة على السياسة النقدية، إلا أن تحذيراته الأوسع نطاقاً بشأن المخاطر المالية أثارت اضطراباً في الأسواق. وذكّر الجميع بأن نهج بنك اليابان في السياسة النقدية سيظل قائماً على البيانات. وقال: "اجتماعاً تلو الآخر".
لا وعود شاملة، بل قرارات مبنية على بيانات حديثة. ومع اقتراب اجتماع بنك اليابان في ديسمبر، بدأت الأسواق بالفعل بتحليل كل كلمة ينطق بها.
لا يزال ضعف الين موضوعاً ساخناً بالنسبة لأويدا. فقد شكّل انخفاض قيمة العملة شوكة في خاصرة اليابان، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة التضخم .
وقال أويدا: "نأخذ تحركات أسعار الصرف في الاعتبار بشكل جدي عند وضع توقعاتنا الاقتصادية وتوقعات التضخم، بما في ذلك الأسباب الكامنة وراء التغيرات الحالية في العملة".
ردود فعل السوق ومعاناة الين
أثرت تصريحات أويدا بشكل فوري على الأسواق المالية العالمية. فقد ارتفع الين بشكل طفيف، بينما انخفض الدولار بنسبة 0.47% إلى 154.65 ين. في الوقت نفسه، قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل خمس سنوات أربع نقاط أساسية إلى 0.75%، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2009.
اعتبر المتداولون تصريحات أويدا إشارة محتملة لرفع سعر الفائدة في اجتماع السياسة النقدية لشهر ديسمبر. كل هذا مجرد تكهنات في الوقت الراهن، لكن بنك اليابان لم يتردد في اتخاذ إجراءات حاسمة في الماضي.
يعود انخفاض قيمة الين جزئياً إلى ارتفاع الدولار، مدفوعاً بدوره بتوقعات بأن سياسات الرئيس الأمريكيdentدونالد ترامب قد تحدّ من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي . وقد أبدى أويدا حذراً في التنبؤ بالأثر الاقتصادي لترامب على اليابان.
وقال: "بمجرد أن تعلن الإدارة الجديدة عن إطار سياستها، سنقوم بدمجه في توقعاتنا الاقتصادية".
يشير تاريخ بنك اليابان الحديث إلى أنه لا يتردد في اتخاذ خطوات جريئة. فبعد سنوات من السياسة النقدية المتساهلة للغاية، أنهى البنك سياسة سعر الفائدة السلبي في مارس/آذار، ورفع سعر الفائدة قصير الأجل إلى 0.25% في يوليو/تموز. وكان الهدف واضحاً: دفع التضخم نحو مستوى مستقر عند 2%.
أوضح أويدا أن رفع أسعار الفائدة ليس مستبعداً، لكنه سيتوقف على توافق البيانات الاقتصادية مع التوقعات. في الوقت الراهن، استطلاع رأي انقساماً بين الاقتصاديين؛ فمعظمهم لا يتوقعون رفعاً آخر هذا العام، لكن نحو 90% منهم يعتقدون أنه سيحدث بحلول مارس.
رهان اليابان بقيمة 65 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات
بينما يناقش بنك اليابان سياسته، تُضخ الحكومة اليابانية أموالاً طائلة في مشاريع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات بشكل غير مسبوق. وتُطرح حزمة ضخمة بقيمة 10 تريليونات ين (65 مليار دولار) لدعم قطاع التكنولوجيا الياباني بقوة.
هذا وضع البقاء. تواجه البلاد تحديات اقتصادية متزايدة بسبب شيخوخة القوى العاملة والتهديد الوشيك بعدم الاستقرار الجيوسياسي، لا سيما فيما يتعلق بتايوان - وهي مركز رئيسي لأشباه الموصلات .
تدعم طوكيو مشاريع مثل مشروع رابيدوس، وهو جهد محلي لتطوير أشباه الموصلات من الجيل التالي. وقد وعدت الحكومة بالفعل بتقديم دعم مالي بقيمة 4 تريليونات ين لزيادة مبيعات الرقائق الإلكترونية المحلية ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030. وتُعد هذه محاولة لتأمين مستقبل الاقتصاد الياباني وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
تأتي معظم رقائق العالم من تايوان، والتوترات بين بكين وتايبيه تثير قلق الجميع. أي اضطراب هناك قد يُدخل صناعات التكنولوجيا العالمية في حالة من الفوضى.
التايوانية العملاقة في مجال صناعة الرقائق شركة TSMC مصنعًا للرقائق بقيمة 8.6 مليار دولار في اليابان في وقت سابق من هذا العام، وهي تخطط بالفعل لإنشاء منشأة أخرى لإنتاج رقائق أكثر تطورًا.
في غضون ذلك، تضخ الولايات المتحدة مليارات الدولارات في مشاريعها الخاصة بأشباه الموصلات، بما في ذلك 6.1 مليار دولار لشركة مايكرون و6.6 مليار دولار لمشاريع شركة TSMC الأمريكية. لكن ثمة مشكلة: الطاقة. فتصنيع أشباه الموصلات وتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يتطلبان كميات هائلة من الكهرباء.
اليابانتتعافى من كارثة فوكوشيما عام 2011، وتعتمد بشكل كبيرdent واردات الوقود الأحفوري. وهي تحاول إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية لسد النقص، لكن الطريق أمامها ليس سهلاً على الإطلاق.
عمالقة التكنولوجيا يراهنون بقوة على مستقبل الذكاء الاصطناعي في اليابان
بدأت الشركات العالمية الكبرى تُولي اهتماماً متزايداً بصناعة التكنولوجيا اليابانية. فقد أعلنت شركة إنفيديا، بالتعاون مع شركة سوفت بنك اليابانية، مؤخراً عن خطط لبناء حاسوب فائق يعمل برقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة من بلاكويل.
وصف الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، المشروع بأنه ثوري، مع تطبيقات تتراوح من الاتصالات السلكية واللاسلكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى المركبات ذاتية القيادة.
الأمر لا يقتصر على شركة إنفيديا وحدها. ففي وقت سابق من هذا العام، ضاعفت مايكروسوفت استثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي في اليابان، معززةً شراكتها مع شركة أوبن إيه آي. ويُبرز هذا تجدد الثقة في منظومة التكنولوجيا اليابانية، على الرغم من أن البلاد لا تزال متأخرة في تصنيفات التنافسية الرقمية العالمية.
احتلت اليابان المرتبة 31 في تقرير حديث صادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، وهو ما يمثل تراجعاً كبيراً عن هيمنتها التكنولوجية في ثمانينيات القرن الماضي. كما أنها تشق طريقها نحو مكانة فريدة في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي، حيث تسمح قوانين حقوق النشر للشركات بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على البيانات المحمية بحقوق النشر، حتى لأغراض تجارية.
قلّما تجد دولاً تتبنى مثل هذه القواعد المتساهلة، وهذا النهج يمنح اليابان ميزة تنافسية في تطوير الذكاء الاصطناعي. ففي قمة مجموعة السبع التي عُقدت في هيروشيما، أطلقت اليابان مبادرة لتوجيه الحوارات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتنظيمه.

