أثارت عناوين الأخبار الأخيرة مخاوف بشأن التهديد المحتمل للذكاء الاصطناعي على فرص العمل البشرية. ومع ذلك، تشير دراسة جديدة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بتمويل من مختبر واتسون للذكاء الاصطناعي التابع للمعهد وشركة آي بي إم، إلى أن الاستبدال الواسع النطاق للعمالة البشرية بالآلات قد لا يكون وشيكًا كما يخشى البعض.
تحليل التكلفة والعائد لتطبيق الذكاء الاصطناعي
ركزت دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على دمج أنظمة رؤية الحاسوب، وهي فرع محدد من الذكاء الاصطناعي، في بيئات عمل متنوعة. وخلافًا للتوقعات المتشائمة، تشير النتائج إلى أن المبررات الاقتصادية لتطبيق الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون غير كافية. فقد كشفت الدراسة أنه في حين أن 36% من الوظائف في الشركات الأمريكية غير الزراعية تتضمن مهامًا تعتمد على رؤية الحاسوب، فإن 8% فقط منها تتضمن مهامًا ذات فوائد اقتصادية كافية لتبرير الأتمتة.
من الناحية العملية، هذا يعني أنه بالنسبة للعديد من المهن، وخاصة تلك التي تتميز بأجور منخفضة ومهام متكررة، فإن وفورات التكاليف التي يوفرها أتمتة الذكاء الاصطناعي ليست كبيرة بما يكفي لتفوق النفقات المرتبطة بتطوير ونشر وصيانة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
دراسة حالة: الذكاء الاصطناعي في المخابز
يتضمن أحد الأمثلة التوضيحية من الدراسة إمكانية استخدام تقنية رؤية الحاسوب في المخابز. فمن بين المهام التي يؤديها الخبازون فحص جودة المكونات بصريًا، وهي مهمة يمكن استبدالها بنظام رؤية حاسوبية. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن وفورات التكاليف الناتجة عن أتمتة هذه المهمة، والتي تعادل حوالي 14,000 دولار أمريكي سنويًا لمخبز صغير متوسط، تقل عن تكاليف تطبيق نظام الذكاء الاصطناعي. وهذا يُبرز التحديات الاقتصادية التي تواجهها الشركات الصغيرة والمتوسطة في تبني تقنية الذكاء الاصطناعي.
رؤية الحاسوب مقابل الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط
من الضروري الإشارة إلى أن دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ركزت بشكل أساسي على رؤية الحاسوب، وهو مجال يختلف عن أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر ديناميكية، مثل نماذج اللغة متعددة الوسائط واسعة النطاق، بما في ذلك نموذج GPT-4 من OpenAI. وبينما تُعنى رؤية الحاسوب بمهام محددة، تُظهر نماذج الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط نطاقًا أوسع من القدرات، تُحاكي المهام الإدراكية التي يؤديها البشر. وتشير دراسة حديثة أجرتها OpenAI إلى أن 19% من العاملين في الولايات المتحدة قد يتأثر 50% من مهامهم بأنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مما يُشير إلى تأثير محتمل أكبر على بيئة العمل.
تُقرّ دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأنه على الرغم من قدرة تقنيات رؤية الحاسوب على أتمتة مهام تُمثّل 1.6% من أجور العاملين في الاقتصاد الأمريكي، إلا أن 0.4% فقط من هذه المهام يُمكن أن تستفيد من وفورات التكاليف الناتجة عن هذه الأتمتة. ومن المرجّح أن تُؤتمت أنظمة الذكاء الاصطناعي الأقل ديناميكية عددًا أقل من الوظائف والمهام بكفاءة، مما يجعلها أقلtracللشركات، ولا سيما الصغيرة منها، نظرًا لتكاليف التنفيذ والتشغيل.
توفير التكاليف على المدى الطويل وكفاءة العمال
قد يكون أحد جوانب القصور في الدراسة هو فحص وفورات التكاليف على المدى الطويل. فبينما قد لا تُسترد التكاليف الأولية في السنة الأولى، تميل النفقات التشغيلية لأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الانخفاض بمرور الوقت، لتصل في النهاية إلى نقطة التعادل. إضافةً إلى ذلك، لم تستكشف الدراسة القيمة المحتملة التي تتحقق عندما يُعيد الموظفون توجيه وقتهم المُخصص للمهام المؤتمتة إلى مجالات أخرى، مما قد يُدرّ مزيدًا من الإيرادات ويُعوّض التكاليف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
تشير دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن دمج أنظمة الرؤية الحاسوبية على نطاق واسع ليس وشيكًا كما قد يتوقع البعض. فبينما يمتلك الذكاء الاصطناعي إمكانات تحويلية في بيئة العمل، تبقى الجدوى الاقتصادية للأتمتة عاملًا حاسمًا. وتؤكد الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداةً مكملة، تزيد الإنتاجية وتتيح للعاملين التركيز على المهام التي لا يمكن أتمتتها.
مع مرور الوقت، من المتوقع أن تتناول المزيد من الدراسات والتقارير تأثير الذكاء الاصطناعي على بيئة العمل. يدور النقاش الدائر حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدًا حقيقيًا للعاملين، ويجعلهم فائضين عن الحاجة، أم أنه أداة مكملة تعزز الإنتاجية وتتيح تطور الأدوار الوظيفية استجابةً للتقدم التكنولوجي. وبينما تسعى الشركات جاهدةً لتجاوز تعقيدات تبني الذكاء الاصطناعي، سيكون الفهم الدقيق للآثار الاقتصادية بالغ الأهمية في رسم ملامح مستقبل العمل.

