تلوح في الأفق اضطراباتٌ في المشهد المالي، وإن لم تكن على درايةٍ بها بعد، فقد حان الوقت لتطّلع عليها. فقد أحدثت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الجنرال الأمريكي السابق مايك فلين rippleكبيرةً في الخطاب الاقتصادي الأمريكي. وبنبرةٍ أقرب إلى الإنذار منها إلى التحذير، سلّط فلين الضوء بقوةٍ على التحوّل المالي الوشيك الذي قد لا يُهدد هيمنة الدولار الأمريكي على الساحة العالمية فحسب، بل قد يُطيح بها تمامًا. هذا تنبؤٌ مدروسٌ مدعومٌ بتحوّلاتٍ ملحوظةٍ في ديناميكيات النقد الدولي، لا سيما في ضوء مساعي مجموعة البريكس لمناهضة هيمنة الدولار.
معضلة إلغاء الدولار
لم تدق أجراس الإنذار التي أطلقها فلين ناقوس الخطر من فراغ. فجوهر قلقه يكمن في الجهود الحثيثة التي تبذلها دول البريكس للتخلص من هيمنة الدولار. هذه خطة مُحكمة التنسيق، تُنفذ في ظل تصاعد العقوبات الغربية، لا سيما ضد روسيا ، والخوف الواضح من مصير مماثل لحلفائها. يتحول اتحاد هذه الدول إلى قوة اقتصادية هائلة عازمة على إعادة تشكيل النظام النقدي الدولي. وكما يقول فلين، فإن هذا الوضع يُشير إلى تحول بالغ الأهمية، لدرجة أن سوء إدارة الحكومة الأمريكية له قد يُحوّل هذه المرحلة الانتقالية الصعبة أصلاً إلى مستنقع من عدم اليقين الاقتصادي.
مع كل إشارة إلى احتمال انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، غالبًا ما يتحول النقاش إلى تضخم ديون أمريكا، التي تجاوزت الآن حاجز 34 تريليون دولار. إن شبح اقتصاد عاجز عن بيع سنداته في عالم يتخلى تدريجيًا عن عملته ينذر بكارثة هائلة. تجد الولايات المتحدة نفسها على مفترق طرق، حيث يتأرجح مستقبل هيمنتها المالية على حافة الهاوية، في ظل تقويض دول البريكس لقوة الدولار، وهو سيناريو يصفه فلين بأنه "موت بألف جرح"
على حافة الهاوية: الواجهة الاقتصادية للولايات المتحدة
إذا تجاوزنا نطاق التمويل الدولي، فسنجد أن الوضع المحلي ليس على ما يرام أيضاً. فعلى الرغم مما قد توحي به المستويات القياسية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، فإن خبايا الاقتصاد الأمريكي ترسم صورة قاتمة للغاية. فسوق العمل، الذي كان يُعتبر ركيزة القوة الاقتصادية، يكشف عن تصدعات عند التدقيق فيه. وتخفي أرقام الوظائف المُبالغ فيها تحولاً مقلقاً نحو العمل بدوام جزئي، وتزايد عدد العاملين في أكثر من وظيفة، وهو ما يُعدّ بمثابة سد مؤقت في وجه ضغوط الاقتصاد. ظاهرياً، يبدو هذا اقتصاداً مزدهراً، ولكنه في الحقيقة مؤشر على ضائقة كامنة، حيث تُضطر الأسر إلى التوفيق بين وظائفها ليس لتحقيق فائض، بل من أجل البقاء.
إن ثقة المستهلك، التي كانت تُعتبر مؤشراً راسخاً على صحة الاقتصاد، تتراجع. ويُشير انخفاض المدخرات التي جُمعت خلال فترة الجائحة، إلى جانب ارتفاع معدلات التخلف عن سداد أقساط بطاقات الائتمان وقروض السيارات، إلى استعداد المستهلكين لمواجهة تداعيات الأزمة. كما أن سوق الإسكان، مع تذبذب أسعار الفائدة على الرهن العقاري قرب أعلى مستوياتها في عقدين من الزمن، يُزيد من تعقيد صورة المستهلك الأمريكي القادر على الصمود. هذا التزامن بين المؤشرات الاقتصادية، بدلاً من أن يُرسم صورة وردية، يُنذر بإعادة تقييم وشيكة لأسس الاقتصاد الأمريكي.
إنّ تزامن ضعف الدولار مع هشاشة الاقتصاد المحلي، defiالاستراتيجي الذي تبديه دول البريكس، يُجسّد تحدياً متعدد الأوجه لاستقرار الاقتصاد الأمريكي. ويُعدّ تحذير فلين، المُفعم بثقة خبير استراتيجي مُحنّك، بمثابة دعوة صريحة للاعتراف بالتحولات الجذرية الجارية ومعالجتها.

