في عصرٍ يواصل فيه الذكاء الاصطناعي دفع حدود الابتكار التكنولوجي، يبرز تعاونٌ جديد بين الفنانين والباحثين الجامعيين لحماية الملكية الفكرية للمبدعين. وقد أثارت تجربة الرسامة الأمريكية بالوما ماكلين الأخيرة مع نسخ أعمالها الفنية بواسطة الذكاء الاصطناعي دون إذن، استجابةً فعّالة داخل المجتمع الفني، أسفرت عن حلول برمجية مبتكرة لمنع أنشطة النسخ المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
وجدت الرسامة الأمريكية بالوما ماكلين نفسها في مرمى نيران الذكاء الاصطناعي الذي يسعى بلا هوادة إلى استنساخ إبداعاتها. فقد "تدربت" عدة نماذج ذكاء اصطناعي باستخدام أعمالها الفنية دون علمها أو موافقتها، ما حرمها من التقدير والتعويض المستحقين. وأعربت ماكلين، وهي من أشد المدافعين عن التقدم التكنولوجي الأخلاقي، عن مخاوفها قائلة: "أعتقد أن التقدم التكنولوجي الحقيقي والهادف هو الذي يتم بطريقة أخلاقية وترتقي بجميع الناس بدلاً من أن يكون على حساب الآخرين"
استجابةً لمشكلة تقليد الذكاء الاصطناعي المتنامية، لجأت بالوما ماكلين إلى برنامج Glaze، وهو برنامج مجاني ثوري ابتكره باحثون في جامعة شيكاغو. تتمثل الوظيفة الأساسية لبرنامج Glaze في التفوق على نماذج الذكاء الاصطناعي أثناء عملية تدريبها، وذلك من خلال التلاعب بالبكسلات بطرق دقيقة تبقى غير مرئية للعين البشرية، بينما تُغير بشكل جذري مظهر الأعمال الفنية الرقمية بالنسبة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
حماية المبدعين من البشر
أكد البروفيسور بن تشاو، العضو البارز في فريق تطوير برنامج Glaze، على مهمتهم قائلاً: "نحن نوفر أدوات تقنية لحماية المبدعين من نماذج الذكاء الاصطناعي المتطفلة والمسيئة". يعتمد هذا البرنامج، الذي طُوّر في غضون أربعة أشهر، على تقنية صُممت في الأصل لتعطيل أنظمة التعرف على الوجوه. وشدد تشاو على خطورة الوضع، موضحاً: "كنا نعمل بسرعة فائقة لأننا كنا ندرك خطورة المشكلة. لقد عانى الكثيرون"
رغم وجود اتفاقيات رسمية لدى بعض الشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي بشأن استخدام البيانات، إلا أن جزءًا كبيرًا من البيانات المستخدمة في تدريب الذكاء الاصطناعي، والتي تشمل الصور الرقمية والصوت والنصوص، يتم جمعها من الإنترنت دون موافقة صريحة. وتثير هذه الممارسة تساؤلات جوهرية حول الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وحقوق الملكية الفكرية.
منذ إطلاقه في مارس 2023، حقق تطبيق Glaze انتشارًا واسعًا، حيث تجاوز عدد مرات تحميله 1.6 مليون مرة، مما يعكس الحاجة المُلحة لأدوات تحمي الفنانين من محاكاة الذكاء الاصطناعي. ويعمل فريق Glaze حاليًا على تطوير إضافة تُعرف باسم Nightshade، تهدف إلى زيادة صعوبة فهم الذكاء الاصطناعي من خلال تشويه تفسيراته، كجعله يرى الكلب قطة.
أثناء تأييدها لبرنامج نايت شيد، أشارت بالوما ماكلين إلى إمكانية إحداث تأثير كبير في حال اعتماده على نطاق واسع: "وفقًا لأبحاث نايت شيد، لن يتطلب الأمر عددًا كبيرًا من الصور المسيئة كما قد يتصور البعض". وقد تواصلت بالفعل عدة شركات مع فريق تشاو لاستكشاف استخدام نايت شيد، مما يؤكد أهميته في حماية كل من الفنانين الأفراد والمنظمات التي تمتلك حقوق ملكية فكرية كبيرة.
كودورو: الدفاع ضد جمع الصور
ساهمت شركة Viva Voce Startup Spawning في حماية الأعمال الإبداعية من خلال برنامجها Kudurru. يكشف Kudurru محاولات جمع الصور الكبيرة من مصادر الإنترنت، مما يمكّن الفنانين من حجب الوصول إليها أو تقديم بيانات مضللة لتعطيل عملية تعلم الذكاء الاصطناعي. وقد انضم أكثر من ألف موقع إلكتروني بالفعل إلى شبكة Kudurru.
وسّعت شركة Spawning جهودها بإطلاق موقع haveibeentrained.com، وهو موقع إلكتروني يضم أداةً تُمكّن الفنانين من التحقق مما إذا كانت أعمالهم الرقمية قد استُخدمت لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. تُتيح هذه المنصة للفنانين إمكانية رفض أي استخدام غير مصرح به لأعمالهم في المستقبل، مما يوفر لهم تحكمًا بالغ الأهمية في محتواهم الإبداعي.
ابتكر باحثون في جامعة واشنطن بولاية ميسوري برنامجًا لحماية التسجيلات الصوتية، يُعرف باسم "أنتي فيك". يُضيف هذا البرنامج أصواتًا غير مسموعة إلى التسجيلات الصوتية الرقمية، ما يجعل من المستحيل، بحسب تشيوان يو،dent الدكتوراه الذي يقف وراء المشروع، توليف صوت بشري. ولا يقتصر هدف "أنتي فيك" على منع تدريب الذكاء الاصطناعي غير المصرح به فحسب، بل يمتد ليشمل منع إنشاء مقاطع الفيديو المزيفة بتقنية "ديب فيك"، وهو ما يُعدّ مصدر قلق متزايد في عصر المعلومات المضللة التي ينشرها الذكاء الاصطناعي.
دعوة لاستخدام البيانات بشكل أخلاقي
مع تطور هذه الحلول البرمجية، يبقى النقاش حول الاستخدام الأخلاقي للبيانات في الذكاء الاصطناعي ذا أهمية قصوى. وقد أوضح جوردان ماير، أحد مؤسسي شركة Spawning، الهدف الأسمى قائلاً: "الحل الأمثل هو عالم تخضع فيه جميع البيانات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي للموافقة والدفع". ويأمل المؤيدون في توجيه المطورين نحو هذا المسار، مع إعطاء الأولوية للموافقة والإنصاف في استخدام بيانات الذكاء الاصطناعي.
في الختام، يقود التعاون بين الفنانين والباحثين تطوير حلول برمجية مبتكرة لمكافحة تقليد الذكاء الاصطناعي للأعمال الإبداعية. تمثل منصات برمجيات Glaze وNightshade وKudurru وAntiFake خطواتٍ هامة في حماية الملكية الفكرية في عالمٍ يزداد اعتماده على الذكاء الاصطناعي. وبينما توفر هذه التقنيات آليات دفاعية قيّمة، فإنها تُبرز أيضاً الحاجة إلى نقاشات أوسع حول الاستخدام الأخلاقي للبيانات في الذكاء الاصطناعي. ومع استمرار الفنانين والمبدعين في المطالبة بحقوقهم، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية مُهيأ لتطورٍ أكثر أخلاقية وتوازناً.

