إن طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الشركات الأمريكية حيث انخفضت وظائف مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 400 ألف وظيفة لتصل إلى 28.1 مليون وظيفة، مسجلة بذلك أول انخفاض سنوي منذ عام 2016. ويأتي هذا الانخفاض بعد ثماني سنوات متتالية من النمو المتواصل في التوظيف، مما أدى إلى إضافة أكثر من 3 ملايين وظيفة.
تشير رسالة كوبيسي إلى أن عمليات التسريح ستستمر في عام 2026، حيث ستخفض أمازون حوالي 16 ألف وظيفة إدارية، وستقلص ميتا ما يقرب من 8 آلاف وظيفة، وستقدم مايكروسوفت عروض شراء طوعية لحوالي 8750 موظفًا. ويُعزى هذا التراجع أيضًا إلى شركات مثل يو بي إس (48 ألف وظيفة)، وسيتي غروب (20 ألف وظيفة)، وديل (12500 وظيفة)، في ظل سعي الشركات الحثيث لخفض التكاليف وتوجيه ميزانياتها نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي.
تُظهر هذه الأرقام أنه على عكس موجات أتمتة المصانع السابقة، يؤثر الذكاء الاصطناعي بشكل غير متناسب على قطاعات ذوي الياقات البيضاء، مثل تطوير البرمجيات والتمويل وخدمة العملاء. كما يُحدث الذكاء الاصطناعي تغييرًا جذريًا في الوظائف القائمة على المعرفة، مثل المحاسبة والبحث القانوني. وقد انخفضت فرص العمل في القطاعات التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي، مثل التسويق وتحليل البيانات، بنسبة تتراوح بين 25 و31% في أوائل عام 2026، في انتظار الشركات لتحقيق مكاسب إنتاجية ملموسة بفضل الذكاء الاصطناعي.
يهدد الذكاء الاصطناعي بإعادة تشكيل أكثر من 50-55% من الوظائف في الولايات المتحدة بحلول عام 2029
يتوقع باحثون في مجموعة بوسطن الاستشارية أن 50-55% من الوظائف في الولايات المتحدة ستتأثر بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2029، مما يستلزم رفع مستوى المهارات بشكل كبير بدلاً من مجرد استبدالها. ويشيرون أيضاً إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في جميع شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قد يُضيف في نهاية المطاف 920 مليار دولار من الفوائد الصافية السنوية. ويتسم التوجه الحالي defi "الاختيار والتركيز"، حيث تقوم الشركات بتقليص عدد الموظفين لإعادة توجيه مليارات الدولارات نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عالية التكلفة واستقطاب الكفاءات.
"ما يفعله الناس في هذه الوظائف سيختلف، حتى لو كانت الوظيفة لا تزال موجودة... ولكن في العديد من الوظائف سيتعين عليك إعادة تأهيل الموظفين، وجعلهم يعملون بطريقة مختلفة، وعليك بذل جهد للقيام بذلك."
– ماثيو كروب ، المدير الإداري والشريك الأول في شركة بوسطن كونسلتينج جروب
مع ذلك، يحدث انفصالٌ بين الواقع والخيال، حيث ترتفع أسعار الأسهم مدفوعاً بالتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي، بينما تتراجع فرص العمل المتاحة. ارتفع سهم شركة ميتا بنسبة تقارب 4% بعد إعلانها عن تسريح عمال مرتبط بالذكاء الاصطناعي، إذ كافأ المساهمون هذه الخطوة إلى حد كبير. وتُشير الشركات الكبرى الآن صراحةً إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الرئيسي للتغييرات الهيكلية وعمليات التسريح.
من جهة أخرى، حذر محللون في غولدمان ساكس من أن عمليات التسريح المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تؤثر بشكل كبير على معدل البطالة في عام 2026، إذ قد يتجاوز معدل التسريح قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة. مع ذلك، يحصل المستخدمون المتميزون للذكاء الاصطناعي (القادرون على الإشراف على سير عمل الذكاء الاصطناعي) على زيادات كبيرة في الأجور.
انخفض توظيف المطورين المبتدئين بنسبة 55% على مدى سبع سنوات
تُظهر بيانات التوظيف الأمريكية انخفاضًا حادًا بنسبة 55% في توظيف المطورين المبتدئين منذ عام 2029، ما يُشير بوضوح إلى أن الشركات الأمريكية تستبدل العمالة البشرية بالخوارزميات، الأمر الذي يُثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوظائف. بات الذكاء الاصطناعي يُؤدي الآن مهامًا روتينية مثل كتابة التعليمات البرمجية الأساسية، وإنشاء الهياكل، والاختبارات الأولية، والتي كانت تُستخدم سابقًا كتدريب للموظفين المبتدئين. كما أن الشركات التي كانت تتطلب سابقًا فريق تطوير مكونًا من 10 أفراد، تجد أنها قادرة على تحقيق نفس الإنتاجية بأربعة مطورين ذوي خبرة مدعومين بالذكاء الاصطناعي.
على وجه التحديد، قامت شركة Salesforce مؤخرًا بتقليص ما يقارب 4000 وظيفة دعم، مشيرةً إلى أن الذكاء الاصطناعي يدير الآن أكثر من 50% من تفاعلات الشركة مع العملاء. ويُعدّ الدعم الأساسي من المستوى الأول، والتنسيق الإداري، وجدولة المواعيد من بين أكثر الوظائف التي تم الاستغناء عنها مع تحوّل الشركات إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي.
تتجه عمليات ترميز المعاملات الروتينية، ومطابقة الحسابات المصرفية، وإدارة النفقات نحو نماذج "الدخول الصفري"، حيث يتدخل المحاسبون البشريون فقط لتصحيح الحالات الشاذة. وتتوقع البنوك الكبرى تقليص حوالي 200 ألف وظيفة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة، مع تولي الذكاء الاصطناعي مهام المكاتب الخلفية والمهام التحليلية للمبتدئين.
في الوقت نفسه، تُدار نحو 31% من مهام المحامين الجدد والمساعدين القانونيين (مثل مراجعة الوثائق والبحث القانوني) بشكل متزايد بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة. كما يعتقد أن وظائف كتابة المحتوى معرضة للخطر، إذ يُستخدم الذكاء الاصطناعي الآن بكثرة في الصياغة الأولية لرسائل البريد الإلكتروني والتقارير ومحتوى تحسين محركات البحث للعملاء. مع ذلك، تبقى الوظائف التي تتطلب حكماً بشرياً أو تصحيح أخطاء معقدة أو التفاوض مع أصحاب المصلحة قائمة.
يلاحظ Cryptopolitan أنه في حين يتقلص إجمالي عدد الموظفين، تبرز فجوة واضحة. إذ تقوم شركات مثل IBM بتقليص مئات الوظائف الإدارية ووظائف الموارد البشرية، بينما تقوم في الوقت نفسه بتوظيف مهندسين متخصصين في الذكاء الاصطناعي ووظائف الإشراف على البيانات.

