يواجه بنك إنجلترا، بثباته المعهود، العام الجديد بموقفه المعهود. فعلى الرغم من ارتفاع التضخم، لا تزال هذه المؤسسة العريقة متمسكة بسياستها النقدية الحالية. ومن المتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية، التي ستجتمع لأول مرة في عام 2024، أسعار الفائدة عند مستوى ثابت يبلغ 5.25% للشهر الرابع على التوالي. ويأتي هذا القرار عقب سلسلة من 14 رفعًا حاسمًا لأسعار الفائدة، في خطوة استراتيجية لمواجهة معدلات التضخم المرتفعة.
تحليل معضلة التضخم
في عالمٍ يبدو فيه عدم اليقين الاقتصادي هو الأمر الوحيد المؤكد، ارتفع معدل التضخم في المملكة المتحدة ارتفاعًا طفيفًا إلى 4% في ديسمبر، بزيادة طفيفة عن 3.9% في الشهر السابق. ويُعدّ هذا الرقم أقل بكثير من الأرقام المذهلة المكونة من خانتين التي شهدناها العام الماضي، مما يُشير إلى انخفاض تدريجي ولكنه ملحوظ في خطر التضخم. في المملكة المتحدة حاليًا أقل بقليل من معدل فرنسا البالغ 4.1%، ولكنه لا يزال أعلى من أرقام ديسمبر في الولايات المتحدة وألمانيا، والتي بلغت 3.4% و3.8% على التوالي.
يسود ترقبٌ واضحٌ لاجتماع لجنة السياسة النقدية. وقد تشهد اللجنة، التي ضمت في السابق أعضاءً يدعون بشدة إلى رفع أسعار الفائدة، تحولاً في الآراء. ومن المحتمل أن تؤثر سواتي دينغرا، المعروفة بموقفها المتساهل، على خفض تكاليف الاقتراض بشكل فوري. ومع ذلك، يسير البنك على حافة الهاوية، إذ يوازن بين مخاطر خفض أسعار الفائدة قبل الأوان، والذي قد يُعيد إشعال الضغوط التضخمية، وبين عواقب التأخير، التي قد تُعيق النمو الاقتصادي واستقرار سوق العمل.
الحبل الاقتصادي المشدود
يُجسّد مسار الاقتصاد البريطاني مزيجًا من الركود والصمود. شهد شهر نوفمبرtracفي الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3%، وهو ما يُعدّ تراجعًا عن النمو الذي شهده الشهر السابق. وعلى الرغم من ظهور بوادر ضعف في سوق العمل، إلا أنه لا يزال يحافظ على معدلات بطالة منخفضة، مع العلم أن بيانات التوظيف الرسمية لم تُنشر بعد بسبب مشاكل في المسح. وقد يُخفف من حدة هذا التراجع توقعات البنك المركزي للتضخم، إذ يتوقع انخفاضه إلى حوالي 2% في الربع الثاني، وهو أقل بكثير من تقديرات البنك السابقة التي بلغت حوالي 3.6%.
يعكس نهج محافظ البنك المركزي، أندرو بيلي، الحذر تعقيدات المشهد الاقتصادي. فعلى الرغم من انخفاض معدل التضخم في أسعار الخدمات ونمو الأجور المنتظمة، لا تزال الأرقام المرتفعة في هذين المجالين مصدر قلق. ويلقى هذا الموقف الحذر صدىً لدى البنوك المركزية على مستوى العالم. ومن المتوقع أن يُبقي كل من الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، على غرار بنك إنجلترا، على أسعار الفائدة، مع تلميحdent البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، إلى إمكانية خفضها في وقت لاحق من هذا العام.
إن تقرير السياسة النقدية المرتقب للبنك ليس مجرد أرقام وتوقعات، بل هو تقييم شامل للوضع الاقتصادي للمملكة المتحدة، يتضمن تحليلاً للقوى العاملة، وتحديات سلاسل التوريد، والتغيرات السياسية التي طرأت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وسيخضع هذا التقرير لتدقيق ليس فقط من قبل الاقتصاديين والمستثمرين، بل أيضاً من قبل رئيس البنك المركزي الأمريكي السابق بن برنانكي، وأعضاء البرلمان البريطاني، لا سيما في ضوء تراجع البنك عن التيسير الكمي، وهو إجراء تم تطبيقه عام 2009 لدعم الاقتصاد خلال الأزمة المالية.
ستخضع أنماط تصويت لجنة السياسة النقدية، لا سيما في هذا العام الانتخابي المتقلب، لتدقيق شديد. فرغبة الحكومة في خفض أسعار الفائدة، والتي قد تُشير إلى انتعاش اقتصادي، تتعارض مع حاجة البنك المركزي للحفاظ على استقلاليته. ورغم الضغوط والمخاطر الجسيمة، يبدو أن قرار بنك إنجلترا المرتقب هو استمرار لسياسته الحالية، مع احتمال تحول في الخطاب من الميل نحو مزيد من التشديد إلى رؤية أكثر توازناً، تُقر بإمكانية تعديل أسعار الفائدة في المستقبل.

