ليس الخروج عن المألوف أمراً جديداً على البريطانيين، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأداء الاقتصادي الأخير لاقتصادهم، حتى أشد المتشككين يعربون عن دهشتهم. فبينما يعاني بقية العالم من عدم الاستقرار المالي، برزت المملكة المتحدة بقوة على الساحة العالمية، مُظهرةً مرونةً أثارت حيرة المراقبين والمتشائمين على حد سواء.
الجنيه الإسترليني، المعروف بثباته، فاجأ الأسواق المالية مؤخرًا، إذ كان العملة الوحيدة التي حققت مكاسب مقابل الدولار هذا العام. بعد فترة وجيزة من الركود التقني العام الماضي، عادت المملكة المتحدة بقوة، وهي عازمة على تحقيق نجاح كبير.
إن صعود الجنيه الإسترليني إلى أعلى مستوى له في سبعة أشهر مقابل الدولار الأمريكي أشبه ما يكون بقصة نجاح باهرة في عالم المال. ولكن قبل أن تظن أن هذه لحظة مجد عابرة، دعني أؤكد لك أن الأمر ليس محض صدفة، بل هو نتاج تناغم دقيق بين المؤشرات الاقتصادية والاستقرار السياسي وروح التفاؤل الجماعي. في المقابل، تراجع الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ، بينما تتخلف عملات مجموعة العشر في سباق العملات هذا.
إذن، ما الذي يُغذي هذا الانتعاش غير المتوقع؟ يراهن المتداولون الآن على انخفاض عدد تخفيضات أسعار الفائدة من بنك إنجلترا، مما يُشير إلى ثقة متجددة في البريطاني . كما استقرت الأوضاع السياسية. ومع اقتراب الانتخابات العامة، يسود الاعتقاد بأنه بغض النظر عمن سيتولى زمام الأمور، فإن الاقتصاد البريطاني سيواصل مساره بثبات.
هل تذكرون تلك اللحظة القصيرة التي انزلق فيها الاقتصاد البريطاني إلى ركود تقني؟ حسنًا، هذا ليس بجديد. فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة في قطاع الأعمال صورةً لاقتصاد لا يتعافى فحسب، بل يتعافى بقوة ونشاط. وأظهر مؤشر مديري المشتريات الصادر عن ستاندرد آند بورز مؤشرات حيوية، مسجلاً أعلى مستوى له منذ الربيع الماضي. أما سوق العقارات، فللمرة الأولى منذ أكثر من عام، ارتفعت أسعار المنازل بشكلٍ غير مسبوق.
لكن على الرغم من أدائه المتميز، لم يصل الجنيه الإسترليني بعد إلى ذروة مجده بعد الجائحة. ومع ذلك، لم يمنع هذا المضاربين من المراهنة على ارتفاع قيمة الجنيه. بل إن المضاربين وصناديق التحوط يضاعفون رهاناتهم الآن على استمرار صعود الجنيه.
أعاد مديرو الأصول، وهم المسؤولون عن إدارة صناديق استثمارية ضخمة، النظر في الجنيه الإسترليني، متجاوزين تردداتهم السابقة. وقد ساهم تعديل توقعات خفض أسعار الفائدة في المملكة المتحدة، مقارنةً بنظيراتها، في تعزيز مكانة العملة البريطانية.
أما ما يُكمّل هذا النجاح المالي الباهر فهو توقعات مكتب مسؤولية الميزانية، التي تشير إلى أن الاقتصاد البريطاني سينمو هذا العام بوتيرة أسرع من المتوقع. فبينما شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد تقلبات منذ مطلع عام 2022، فإنه مُهيأ للتعافي، ويتطلع إلى بلوغ مستويات ما قبل الجائحة بحلول عام 2025.

